على هامش الندوة الهامة التي نظمتها بدار المحامي عصر البارحة 13 دجنبر 2025 من الساعة الرابعة الى الساعة السابعة مساءا بإشراف السيد الامين العام لنقابة اللجان العمالية الحسين بالمومن بحضور فعاليات حقوقية وازنة.وتقدبم شهادات حية لبعض من المعتقلين الاسلامين السابقين ، القى الدكتور منير الطاهري عرضا جد قيم موضوعه من العدالة الانتقالية إلى العدالة النكوصية:ملف المعتقلين الإسلاميين كنموذج لأزمة الانتقال الديمقراطي في المغرب
ونظرا لاهميته نقوم بنشره كاملا لتعميم الفائدة

السيدات والسادة، الحضور الكريم،
في البدء أود أن أتقدم بخالص الشكر للجنة التنظيم على اختيارها موضوعا حساسا في لحظة تاريخية فارقة من مسار المغرب السياسي والحقوقي. وهو موضوع لا يمس فئة بعينها وإنما يمس جوهر سؤال العيش المشترك وبشكل ادق مطلب دمقرطة الدولة، ومأسسة منظومة الحقوق والعدالة في بلادنا.
سأحاول، وإياكم مقاربة هذا الملف من خلال خمسة محاورأساسية:
أولا في المفهوم من منظور علوم السوسيولوجيا السياسية والمباحث العلمية حول الانتقال الديموقراطي، لمقاربة المفهوم من منظور الأدبيات العلمية المعاصرة
ثانيا التجربة المغربية في تفاصيلها والمباديء المؤسسة لها وهو محور يبحث في مقومات التجربة منذ التسعينيات، ومحاولة تقييم نتائجها فيما يخص عدم تنفيذ توصيات هيئة المصالحة والانصاف ولاسيما عدم إصلاح البنية الأمنية وضمانات عدم التكرار ماسمح بالعودة لإنتاج الانتهاكات ذاتها.
ثالثا واقع الحال اليوم من تجميد التجربة إلى الإعلان عن بداية العدالة النكوصية وهو محور سنحاول فيه تلمس ملامح المرحلة بين التجميد والنكوصية كشكل هجين مدعوم بمحاكمات قاسية فضلا عن متابعات واسعة في حق الصحافيين والمدونين. لماذا تجرأنا على وصفها بالعدالة النكوصية وليست الموقوفة أو المجمدة؟ لأننا سنلاحظ أنها تعود بنا لمنطق العقوبة الجماعية التي عاشها المغاربة سنوات 58 و 65 و 81 و94.

رابعا وضعية المعتقلين الإسلاميين، كمأساة صامتة ومؤجلة لأنهم يمثلون أحد أكثر الملفات إهمالا في مسار العدالة الانتقالية المغربية. بسبب السنوات الطويلة التي قضوها في السجون في ظروف قاسية من التعذيب والعزلة وسوء المعاملة و بسبب غياب أي سياسات إدماج حقيقية بعد الإفراج عنهم
خامسا في الأفق الممكن من أجل عدالة انتقالية شاملة. وهو محور استشرافي سنحاول البحث فيه معكم، عن أي افق ممكن لأجل إطلاق حوار وطني شامل للمصالحة في المغرب قبل الانتخابات المقبلة وذلك بإصدار عفو عام عن جميع معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين وفتح ورش حقيقي لجبر الضرر المادي والمعنوي وكذا مراجعة دستورية حقيقية تجرم الانتهاكات وتحرر المجتمع وتضمن استقلال القضاء.
المحور الأول: العدالة الانتقالية… في المفهوم والدروس النظرية
العدالة الانتقالية من منظور علم السياسية وباقي المباحث العلمية المرتبطة به، ليست مجرد تقارير أو تعويضات أو لجان استماع. إنها في العمق، عملية إعادة بناء العقد الاجتماعي بعد فترات الانتهاكات والخوف والتوجس.

و كما يصفها جون بول ليدراك، إنها عملية ل” إعادة نسج النسيج الاجتماعي الممزق” بين الدولة والمجتمع.
إنها مجموعة متكاملة من الآليات القضائية وغير القضائية التي تعتمدها المجتمعات لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بعد النزاعات أو القمع أو حروب اهلية، لضمان المصالحة أولا والاعتراف بالضحايا وتعويضهم عن الاضرار وضمان عدم تكرارها عبر بناء المصالحة الوطنية وسيادة القانون والديمقراطية.
الأمم المتحدة تعرف المفهوم “على أنه مجموعة كاملة من العمليات والآليات المرتبطة بمحاولة المجتمع للتصالح مع إرث من الانتهاكات والتجاوزات واسعة النطاق في الماضي لضمان المساءلة وتحقيق العدالة والمصالحة”.
كذلك، مركز العدالة الانتقالية الدولي (ICTJ): يعتبرها استجابة من المجتمعات لانتهاكات حقوق الإنسان الصارخة، مع التركيز أولا على الضحايا وحقوقهم وكرامتهم.
في بلدان الربيع الديموقراطي سيعرفها القانون التونسي بأنها مسار متكامل لفهم ومعالجة ماضي الانتهاكات بكشف حقيقتها ومساءلة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا وحفظ الذاكرة الجماعية وترسيخ ضمانات عدم التكرار.

مفاهيميا نحن أمام مقاربة لتحقيق العدالة في فترات الانتقال من النزاع أو القمع، تهدف لتقوية الثقة المدنية من خلال تعزيز سيادة القانون والديمقراطية والاعتراف بحقوق الضحايا.
لن يتاتى ذلك دون تبني آليات لمحاكمة المسؤولين عن الانتهاكات وإحداث لجان تقصي للحقائق و جبر الضرر سواء ب تعويضات مادية أو رمزية (اعتذار، أيام ذكرى).
وعلى وجه الخصوص دون إصلاح مؤسسات المرحلة الانتقالية أو المرحلة التصالحية من خلال: إصلاح الجيش والشرطة والمحاكم لمنع تكرار الانتهاكات، أي أنها لحظة تأسيسية لإصلاح بنيوي مؤسساتي للأمن والقضاء والثقافة السياسية.
النتائج والابعاد الفلسفية والسياسية والقانونية للمفهوم :
انه يجمع بين عدالة “الجماعة” بالمعنى البراغماتي الذي يبحث عن المصلحة العامة العليا للمجموعة والعدالة “التقنية” بمعنى القانون المدني للالتزام بالحقوق والعدل بحد ذاته للطرف المتضرر

إنها عدالة تهدف لاستعادة السلم المدني وبناء الثقة وتوفير ضمانات لعدم تكرار الانتهاكات و المدخل الأساس لبناء العيش المشترك على أساس الحرية والديمقراطية.
المحور الثاني: التجربة المغربية… محاولة للفهم .
عرف المغرب مند 2004 لحظة، وصفت بأنها بداية انتقال ديمقراطي،مع إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة. لحظة مثلت حينها انفراجا سياسيا ورمزيا قويا لأنها كانت أول اعتراف رسمي من الدولة بوقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان و فتحت، نظرياً على الأقل، أفقا جديدا لبناء حلم جماعي يقوم على المصالحة والإنصاف وضمان عدم التكرار واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع .
لكن هذا المسار سرعان ما تعثر بفعل التحولات السياسية التي عرفتها بداية الألفية بعد إبعاد حكومة عبد الرحمن اليوسفي وتعيين حكومة التكنوقراط ثم عودة حزب الاستقلال إلى قيادة تجربة التناوب ( مرحلة جطو وعباس الفاسي ) ما شكل علامة مبكرة على محدودية الرغبة في إحداث انتقال ديمقراطي بمضمون مؤسسي.
وهو ما كان مؤشرا كذلك على ان تبقى توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة حبيسة الرفوف، خاصة ما يتعلق بالإصلاح الأمني والقضائي وتعزيز الرقابة الدستورية وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
النتيجة ان الدولة لم تعتبر المرحلة جزء من تراكمات تاريخية لبناء الدولة العصرية في مرحلة الاستقلال، وإنما مجرد حالة عابرة كانت ضرورية لتيسير أمور الانتقال البيولوجي للعرش،
وهكذا، عادت الدولة بسرعة إلى منطق القبضة الأمنية، خصوصاً بعد أحداث 2003 تحت ذريعة مكافحة الإرهاب العالمي، وتكرر السيناريو ذاته في أحداث سيدي إفني سنة 2008، وأحداث العيون بالصحراء سنة 2010، وبعدها في حراك الريف سنة 2016، وهو ما مثل نكوصا واضحا مال نحو مقاربة تحكمية أعادت إنتاج آليات الاعتقال السياسي والعقاب الجماعي، وأكد أن الإصلاحات التي أعلنت لم تكن ذات بعد استراتيجي بقدر ما كانت استجابة ظرفية لتلطيف المناخ العام.
كما أجمعت الدراسات والتقارير الحقوقية أن إصلاح المنظومة الأمنية في تلك المرحلة اتخذ طابعا تقنيا وإداريا ركز على إعادة الهيكلة وتحديث التجهيزات وتحسين الصورة التواصلية دون المس ببنية السلطة الأمنية ودون تكريس قواعد مهنية للعمل الضبطي والفصل بين السلط والسماح برقابة فعالة للبرلمان والقضاء والمجتمع المدني على هذه الأجهزة.
لقد ضل الأمن مجالا مغلقا على منطق الرقابة والمساءلة، واستمرت ممارسات الاعتقال التعسفي وسوء معاملة المعتقلين وضعف استقلال النيابة العامة كممارسات طبيعية في ثقافة الأجهزة الضبطية، ما جعل توصيات العدالة الانتقالية المتعلقة بهذا القطاع مجرد عنوان بلا مضمون.
على مستوى آخر، قدمت الدولة مراجعة دستورية سنة 2011 كجواب على احتجاجات 20 فبراير، مراجعة وصفت حينها بالتحول التاريخي، لكن أغلب التحليلات الدستورانية من منظور العلوم السياسية، اعتبرت أن الدستور الجديد جاء لمعالجة الاحتقان الاجتماعي فقط أكثر مما جاء كإجابة تعاقدية لبناء نظام ديمقراطي حقيقي. ذلك أن هذا الدستور صيغ بقدر كبير من الغموض ما سمح بتأويلات متعارضة، جعلت السلطة الفعلية موزعة بشكل غير متوازن وكرست استمرار المجالات الاستراتيجية خارج أي رقابة ديمقراطية، كما أن احتكار التأويل الدستوري سار في اتجاه يعيد إنتاج مركزية السلطة ويفرغ المؤسسات المنتخبة من دورها.
نعم، لقد كنا امام مسار ولد من منطلقات نبيلة وقدم على أنه بداية حقيقية لتصحيح أخطاء الماضي، لكننا مع الأسف سنجد نفسنا امام عدالة متعثرة توقفت في طريق صحراوي مجهول، بعد أن غابت الإرادة السياسية لدمقرطة الأمن والقضاء، وتم الالتفاف على نتائج المصالحة الوطنية، وتحول الدستور إلى وثيقة موغلة في الغموض تستعمل لتبرير العودة إلى منطق التحكم بدل ترسيخ الانتقال، ما أنتج واقعا سياسيا وحقوقيا هشا مهد لعودة النكوصية بشكلها الذي نعيشه اليوم.
فالدستور الجديد لم يفعل مبدأ عدم الإفلات من العقاب ولم يكرس مراجعة عميقة للعقيدة السلطوية داخل البنية الأمنية التقليدية، ما لم يسمح، بطبيعة الحال، بإطلاق أوراش وطنية لتطهير الجهاز الأمني وقطع الروابط بين هذا الجهاز وشبكات المصالح التجارية والمالية والعائلية.
الدستور الجديد لم يخصص بابا للعدالة الانتقالية وشروطها كما هو معمول به في عدد من الدساتير المقارنة لدى بلدان عرفت انتقالات ديموقراطية موجعة وعملت على دسترة العدالة الديموقراطية كي لا تتحول إلى “متحف للذاكرة”
ولنا في ذلك امثلة كثيرة نذكر منها تجربة جنوب افريقيا التي قامت بدسترة لجنة الحقيقة والمصالحة (TRC) بهدف كشف الحقيقة، وتوفير منصة للضحايا، ومنح العفو لمن يكشفون عن الحقائق، وتقديم توصيات للتعويضات والإصلاحات المؤسساتية (مثل إصلاح الشرطة والجيش).
العدالة الانتقالية في المغرب تأثرت بشكل مباشر بما سمي بـ”إغلاق قوس الانتقال الديمقراطي”، إذ انه ومع رحيل إدريس بنزكري، توجهت الدولة نحو تكريم الماضي في مناسبات جنائزية وفقط، بينما الحاضرمازال يعيد إنتاج أساليب الإقصاء والمنع.
هذا الواقع، استشعره الجميع بعد حراك الريف الذي جعل الجميع يتساءل هل كنا نعيش مصالحة حقيقية أم مجرد هدنة؟
فرغم أن مطالب حراك الريف كانت بسيطة وواضحة: كرامة، حرية، وعدالة اجتماعية. فإن جواب الدولة كان هو المحاكمات القاسية والأحكام الثقيلة.
حراك الريف أكد للجميع أن العدالة الانتقالية لم تعد جزءا من مشروع الانتقال الديمقراطي، بل صارت عدالة ضبطية لتنفيذ التعليمات والردع
هذا المنطق امتد كذلك إلى احتجاجات الأساتذة المتعاقدين ثم إلى حركة “زيد” سنة 2025، حيث اُعتقل الآلاف من المواطنين في أكبر حملة توقيف جماعية منذ عقود ( 5780 توقيف حسب بلاغات النيابة العامة).
النتيجة اليوم، أننا أمام موت العدالة الانتقالية، أو على الأقل اختناقها داخل نموذج سلطوي باتريمونيالي يعيد إنتاج نفسه.
المحور الثالث: العدالة النكوصية… خيار سياسي أم مجرد تعثر للعدالة الانتقالية
تظهر التجربة المغربية اليوم أننا لا نعيش مجرد تباطؤ أو توقف، بقدر ما أننا استراتيجية نكوصية واعية، حسب توصيف عدد من الخبراء والمهتمين، مبنية على ما سماه هنتنغتون “سياسة ضبط الإيقاع”أي التحكم في زمن التغيير وليس الاستجابة لمطالبه.
هذا النكوص يتجلى حسب ملاحظات المراقبين في عودة القبضة الأمنية واستعمال القضاء لأهداف الضبط والعودة إلى منهجية العقوبة الجماعية والعمل الممنهج لتضييق الحريات وملاحقة الصحافيين والمدونين مع تحويل مؤسسات الحكامة أي المجلس الوطني لحقوق الإنسان والهيئة الوطنية للنزاهة والشفافية ومجلس المنافسة والمجلس الاعلى للصحافة والإعلام وغيرها إلى إطارات شكلية صماء وشهود بكماء على المرحلة .
نعم، في خضم هذا النسق المؤسساتي الصامت والأبكم تتحول العدالة الانتقالية التي كان يحلم بها المغاربة إلى أداة للتضييق وفرض منطق الدولة بدل تحقيق المساواة والدفاع عن الحرية، ماشكل انحرافا صريحا عن فكرة “القانون كتكامل أخلاقي” كما عبر عنها رونالد دووركين.
هل نحن اليوم أمام تعثر ظرفي، ام أمام اختيار نكوصي واع، وتوجه محافظ عبر عنه بورديو “العقل البيروقراطي المحافظ”، الذي يجيد إنتاج الإصلاحات الشكلية دون المساس بجوهر السلطة.
هل نحن امام مرحلة ظرفية لتقوية الدولة الوطنية مع ما قد يترتب عنها من ضريبة لوقف الحريات مؤقتا ام اننا امام مرحلة واعية لتضيق المجال العام وتأجيل الإصلاح المؤسساتي والسياسي لمصالح شخصية وفئوية تراهن على ربح الوقت وفقط كما تشير إليه بعض التقارير والدراسات.
المحور الرابع: معاناة قدماء المعتقلين الإسلاميين… الحلقة المنسية في ملف المصالحة
في هذا السياق المعقد، يبرز ملف قدماء المعتقلين الإسلاميين باعتباره أحد أبرز مظاهر فشل العدالة الانتقالية بالمغرب. فقد تعرضت هاته الفئة خصوصًا بعد اعتقالات 2003، لانتهاكات جسيمة شملت اعتقالات تعسفية وأحيانا تعذيب واختفاءات مؤقتة مع أحكام قاسية طالت مئات الأسر.
وحتى بعد الإفراج عنهم، بدأت معاناتهم مع الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي والوصمة المجتمعية بسبب البطالة والهشاشة وحرمانهم من العمل والوثائق والسجلات العدلية أحيانا.
وصمة “الإرهاب” التي الصقت بهم مازالت تغلق أمامهم أبواب الشغل والسكن والتعليم فأطفالهم يواجهون التمييز في المدارس وفي الحارات السكنية.
هذا، إلى جانب التحديات الصحية والنفسية بسبب الأمراض المزمنة الناتجة عن الاعتقال الطويل وسوء الرعاية داخل السجون. وكذا اضطرابات نفسية دون أي برامج للدعم المؤسساتي وخصوصا مع تنصل الدولة من مسؤوليتها الاجتماعية في توفير تغطية صحية أو متابعة طبية بعد الإفراج.
لا ننسى كذلك، العراقيل الإدارية والقانونية نظرا لصعوبة حصولهم على وثائق إدارية أو صعوبة إدماجهم في الوظيفة أو السكن الاجتماعي .
هذه المعاناة في نظرنا هي مأساة اجتماعية تمس آلاف الأسر، وتقرأ كدليل دامغ على أن مسار العدالة انتقالية.مسار متعثر عن لم نقل نكوصي وتراجعي
المحور الخامس: نحو عدالة انتقالية شاملة… رؤية ومطالب
إن إنصاف قدماء المعتقلين الإسلاميين ليس قضية فئوية أو مطلبية ضيقة، بل هو اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة على تجديد تعاقدها مع المجتمع وبناء نموذج سياسي يستوعب الجميع في إطار وئام اجتماعي ومواطنة كريمة. ومن هذا المنطلق، فإن العدالة الانتقالية المنشودة تتطلب رؤية شمولية تتجاوز الحلول التقنية والإجراءات الإدارية، وتؤسس لمقاربة جديدة تقوم على الحوار والإنصاف والإصلاح البنيوي. ويمكن تلخيص المطالب الكبرى لهذه الفئة في ثلاث مرتكزات أساسية تشكل المدخل الأساس لأي مصالحة جديدة قادرة على فتح أفق إصلاحي حقيقي.
المرتَكز الأول يتعلق بضرورة إطلاق حوار وطني شامل يجمع الدولة والمعتقلين السابقين وممثليهم والمؤسسات الحقوقية والمجتمع المدني، حوار ينأى عن المقاربة الأمنية الضيقة ويتأسس على الاعتراف بالمعاناة الإنسانية واعتبار هذا الملف جزءا من العدالة الانتقالية وليس امتدادا لسياسات الضبط والمعالجة الأمريكية في إطار قوانين الإرهاب .
هذا الحوار يجب أن يفضي إلى برامج إدماج حقيقية تمكن المفرج عنهم من الولوج إلى التكوين المهني والدعم الاقتصادي للمشاريع الصغرى، وإتاحة فرص عادلة في الوظيفة العمومية والقطاع الخاص، وتوفير برامج سكن اجتماعي للأسر الأكثر هشاشة. كما ينبغي أن يواكب هذا الانفتاح برنامج وئام وطني واسع يهدف إلى إنهاء الوصمة والتمييز عبر حملات إعلامية تربوية وتعبئة مجتمعية لإعادة الاعتبار لحقوق المواطنة الكاملة للمعتقلين السابقين ولأطفالهم الذين دفعوا الكلفة الأكبر جراء التهميش والوصم الاجتماعي.
أما المرتكز الثاني فيتعلق بـ جبر الضرر المادي والمعنوي باعتباره حجر الزاوية في أي عملية مصالحة جدية. ويتطلب ذلك تعويضات عادلة عن الانتهاكات التي تعرض لها المعتقلون، سواء الجسدية أو النفسية، ورد الاعتبار القانوني والاجتماعي لهم، وإدراج ملفهم داخل آليات وتوصيات الإنصاف والمصالحة لضمان الشفافية والتوثيق والتقييم المؤسساتي. كما يشمل هذا المرتكز وضع برنامج وطني للرعاية الصحية والنفسية يضمن تغطية صحية شاملة وإحداث مراكز للدعم النفسي والاجتماعي، نظراً لأن كثيراً منهم يعانون آثاراً مزمنة نتيجة الاعتقال، لا يمكن معالجتها بدون مواكبة مؤسساتية طويلة المدى.
في حين يتأسس المرتكز الثالث على تعزيز الشفافية والمساءلة عبر إخضاع كل برامج الإدماج السابقة والحالية لافتحاص شامل يحدد مكامن القوة والخلل، ويضمن حسن التدبير وفعالية الإنفاق العمومي، مع تقديم تقارير دورية للبرلمان والرأي العام تعزز الثقة والمصداقية.
ولا يمكن لأي عدالة انتقالية أن تكتمل دون إصلاح بنيوي يطال القواعد الدستورية نفسها، ولذلك تصبح مراجعة الدستور خطوة ضرورية لتحصين الحقوق والحريات وتجريم الانتهاكات ومنع تأويلات نكوصية تستبعد الخيار الديمقراطي، وإدراج مقتضيات صريحة حول عدم التكرار واستقلال القضاء وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي السياق ذاته، يمثل العفو العام عن معتقلي الحراكات الاجتماعية ومعتقلي الرأي إجراء مفصليا ومفتاحا مركزيا لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع وإغلاق جراح مفتوحة تهدد السلم الاجتماعي اليوم، إذ لا يمكن تصور مصالحة وطنية شاملة في ظل استمرار سجن شباب وصحافيين وحقوقيين على خلفية التعبير والاحتجاج السلمي.
إن هذه المرتكزات الثلاث، مضاف إليها الإصلاح الدستوري والعفو العام، تشكل في مجموعها قاعدة صلبة لشروع المغرب في مرحلة جديدة من العدالة الانتقالية، مرحلة لا تكتفي بإحياء ذاكرة الماضي، بل تعمل على تحويل الألم إلى قوة دفع نحو مستقبل أكثر عدالة وإنصافا وكرامة لجميع المواطنات والمواطنين.
خاتمة
إن ملف قدماء المعتقلين الإسلاميين يشكل صورة مصغرة لمأزق العدالة الانتقالية في المغرب، فمن غير الممكن الحديث عن مصالحة وطنية أو دستور 2011 في ظل استمرار التهميش، وعودة العقوبة الجماعية، وتضييق الحريات، وغياب الإرادة السياسية لترجمة مبادئ الإنصاف والمساءلة إلى مؤسسات وقواعد ملزمة.
لقد صالح المغرب جزءاً من ماضيه، لكنه لم يكمل مسار المصالحة مع حاضره. وحين تتراجع العدالة أمام منطق الأمن، وتتحول مؤسسات الحكامة إلى هياكل صامتة، وتتم شيطنة الاحتجاج بدل الإصغاء إليه، يصبح واضحاً أن روح الإنصاف والمصالحة لم تتجذر بما يكفي، وأن العدالة الانتقالية بقيت مجرد لحظة رمزية بلا امتداد مؤسسي.
فالخطر الحقيقي لا يأتي من الشارع الذي يطالب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وإنما من عدالة تخاف من الحرية، فالخطر الحقيقي في نظرنا هو عندما تعتقد الدولة أن الانفتاح هو تهديد لها وليس فرصة لبناء مشروع حداثي وطني.
اليوم، المغرب يقف أمام مفترق الطرق : إما استعادة روح العدالة الانتقالية باعتبارها مشروعا مستمرا وتراكما ترايخيا، لبناء دولة حديثة تستوعب جميع مواطنيها، وإما الاستمرار في عدالة نكوصية تدين المواطن وتبرئ المنظومة الأمنية، وتغتال آفاق الديمقراطية.
فالعدالة الانتقالية كما اسلفنا، لا تقاس بالشعارات، ولا بالعناصر التكوينية المشار إليها في تعريفات الأمم المتحدة فقط، ولكن بمدى اتساع فضاء الحرية، واستقلال القضاء، وقدرة الناس على النقد دون خوف، ووجود مؤسسات قوية تحمي الحق وتضمن الكرامة. وتلك هي المعايير الحقيقية لأي مستقبل ديمقراطي ممكن في المغرب، وهي البوصلة التي يجب أن نتمسك بها إن أردنا فعلا فتح صفحة جديدة لا تقصي أحدا من المواطنين المغاربة بسبب لونه او جنسه او ملته الفكرية والعقائدية، ولا تترك جرحا مفتوحا أمام الأجيال القادمة.
شكرا لكم





إرسال تعليق