A place where you need to follow for what happening in world cup

لجان الافتحاص تعود إلى الجديدة… وكشف ملفات التعثر يفضح هشاشة النموذج المحلي

0 583

✍️ د. سمير أشقر

في الأشهر الأخيرة، عادت مدينة الجديدة إلى واجهة الأحداث ليس عبر مشاريع كبرى أو استثمارات واعدة، بل عبر حلول لجان افتحاص مركزية تابعة لوزارة الداخلية، وفتح ملفات تعثر مشاريع جهوية، ومسائلة طرق صرف المال العام. هذه التدخلات تعكس واقعًا مؤلمًا: مدينة غنية بثقلها الاقتصادي ومؤهلاتها البشرية، لكنها لا تزال خارج الخريطة التنموية للمغرب الحديث

قبل سنوات، وفي أكثر من مقال رأي، كتبتُ أن الجديدة ليست مدينة فقيرة، ولا تفتقر إلى الإمكانيات، بل مدينة غنية تُدار بعقلية الهامش. وحذّرت حينها من أن الخلل لا يكمن في غياب المشاريع، بل في غياب الرؤية، ولا في نقص الموارد، بل في ضعف الترافع وانعدام التنسيق بين المتدخلين. واليوم، تؤكد لجان الافتحاص ما كتبته سابقًا: ليس تشاؤمًا ولا تهويلًا، بل قراءة مبكرة لمسار تنموي مختل، إن لم يُراجع بجرأة ومسؤولية.

كيف لمدينة تمتلك البحر، الصناعة، الجامعة، والموقع الاستراتيجي، أن تبقى رهينة التعثر، وكأنها خارج الزمن التنموي للمغرب الجديد؟ على امتداد الساحل الأطلسي، تقف الجديدة كإحدى أكثر المدن المغربية إثارة للتساؤل، محافظة على ثقلها الاقتصادي، لكنها غائبة عن البرامج الوطنية الكبرى، ومتعثرة في مشاريعها المحلية، في تحدٍ صارخ لمنطق العدالة المجالية والتنمية المتوازنة.

مدينة تنتج الثروة… ولا تجني ثمارها

يشكّل إقليم الجديدة أحد الأعمدة الاقتصادية الصامتة للمغرب. فالقطب الصناعي بالجرف الأصفر، وما يحتضنه من استثمارات استراتيجية، يساهم بشكل مباشر في الناتج الداخلي الخام، ويوفر آلاف مناصب الشغل، ويغذّي الميزان التجاري الوطني.
لكن هذه القوة الاقتصادية لا تنعكس على واقع المدينة. فالطرق ما تزال متعثرة، والمجال الحضري يعاني اختناقًا واضحًا، والتشغيل هش، والخدمات العمومية لا ترقى إلى حجم ما تنتجه المنطقة من ثروة. تقارير رسمية سبق أن نبهت إلى فجوة بين مناطق الإنتاج ومناطق الاستفادة، في غياب عدالة مجالية فعلية، وهو اختلال بنيوي ما تزال آثارُه باقية إلى اليوم.

غياب متكرر عن البرامج الوطنية

رغم توالي المبادرات الحكومية، يظل حضور الجديدة فيها محدودًا أو منعدمًا. في برامج تكوين الشباب في المهن الرقمية والذكاء الاصطناعي، استفادت مدن عديدة بينما غابت الجديدة رغم توفرها على مؤسسات جامعية وكفاءات شابة.
في مجال التشغيل والمقاولة، تمر المبادرات دون أثر ملموس، بسبب غياب مراكز جهوية قوية للمواكبة والدعم. أما في القطاع الصحي، فلا يزال مستشفى محمد الخامس الإقليمي يعاني من اختلالات هيكلية وبشرية، رغم إطلاق إصلاح وطني شامل للمنظومة الصحية.
لماذا يستمر التهميش؟
الواقع يفرض تشخيصًا صريحًا:
صراعات محلية متكررة تُفقد المشاريع استمراريتها وتُربك القرار.
ضعف التنسيق بين الجهة والعمالة والجماعات والقطاعات الوزارية.
غياب الترافع القوي داخل مراكز القرار الوطني.
حضور إعلامي وطني محتشم لا يعكس حجم الإشكال.
كل ذلك جعل الجديدة تتحول من مدينة واعدة إلى مدينة مؤجلة، رغم ثقلها الاستراتيجي ومساهمتها في الاقتصاد الوطني.
مقارنة تفضح الاختلال
مدن أقل حجمًا وأضعف موارد نجحت في استقطاب مراكز رقمية، ومشاريع ابتكار، وبرامج تشغيل مهيكلة، بينما ظلت الجديدة خارج أغلب هذه الدينامية. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل التهميش قدر جغرافي؟ أم نتيجة غياب القرار والجرأة والرؤية؟
العدالة المجالية ليست شعارًا
إن التنمية المتوازنة ليست امتيازًا تمنحه الدولة متى شاءت، بل حق دستوري. تغييب مدينة بحجم الجديدة عن المشاريع الكبرى لا ينسجم مع روح الجهوية المتقدمة، ولا مع منطق ربط المسؤولية بالمحاسبة، ولا مع أهداف النموذج التنموي الجديد.
خلاصة القول
الجديدة لا تطلب امتيازًا، ولا تبحث عن موقع على حساب غيرها. إنما تطلب فقط أن تُعامل بما يليق بثقلها الاقتصادي ومؤهلاتها البشرية.
مدينة تُنتج الثروة، وتخدم الاقتصاد الوطني، وتملك كل شروط الإقلاع، لا يجوز أن تبقى رهينة التعثر، ولا أسيرة الانتظار. إن إنصاف الجديدة اليوم ليس مطلبًا محليًا، بل ضرورة وطنية لإنجاح مغرب التنمية المتوازنة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.