.
بواسطة ✍️جميلة غاطس
تركيا تنظر إلى علاقات دفاعية مرنة مع السعودية وباكستان في ظل تغيّر التحالفات في الشرق الأوسط
عندما أكّد وزير الخارجية التركي علنًا أن أنقرة تجري محادثات مع باكستان والسعودية بشأن ميثاق دفاعي محتمل، لم يكن يوضّح مجرد شائعة دبلوماسية، بل كان يبعث بإشارة إلى كيفية إعادة معايرة موازين القوة في الشرق الأوسط. فالمنطقة اليوم تُعرَّف أقل بالكتل الثابتة وأكثر بسياسات التحوّط الاستراتيجي. تبدو الضمانات الأمنية للولايات المتحدة مشروطة، والنزاعات الإقليمية ما تزال بلا حلول، والافتراضات القديمة حول الردع لم تعد صالحة. في هذا السياق، لا تتعلق المحادثات الاستكشافية لأنقرة بإنشاء حلف على شاكلة «الناتو»، بل بخيارات.
نقطة الانطلاق هي اتفاق الدفاع السعودي–الباكستاني الموقَّع في سبتمبر/أيلول 2025، الذي أضفى طابعًا رسميًا على عقود من التعاون العسكري الوثيق. صاغ ذلك الاتفاق الاعتداء على أحد الطرفين بوصفه مصدر قلق مشترك، لكنه—وهو الأهم—تجنّب محفزات عسكرية تلقائية أو هياكل قيادة متكاملة. كان دفاعًا متبادلًا من حيث المبدأ، لا من حيث الآلية.
إمكان انخراط تركيا من شأنه توسيع هذا الإطار من تفاهم ثنائي إلى ترتيب ثلاثي مرن. وتكمن الأهمية هنا أقل في البنود القانونية وأكثر في الإشارة الاستراتيجية: ثلاث دول مؤثرة ذات غالبية مسلمة، لكل منها نقاط قوة مميّزة، تستكشف سبل تنسيق المصالح الأمنية دون التنازل عن الاستقلالية.
لماذا تهتم تركيا
بالنسبة لأنقرة، الجاذبية ليست في الالتزامات المُلزمة بل في المرونة. تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في حلف «الناتو»، وقوة مجرّبة في الميدان، وصناعة دفاعية تتوسع بسرعة. وهي بالفعل منخرطة بعمق مع باكستان عبر برامج بحرية، وتحديثات للطائرات، وتمارين مشتركة، ومبادرات إنتاج مشترك. وباكستان شريك دفاعي مألوف ومنخفض المخاطر.
أما السعودية فتؤدي دورًا مختلفًا. فخلال السنوات الخمس الماضية، أعادت تركيا بعناية بناء علاقاتها مع الرياض بعد فترة قطيعة حادة. ويعكس هذا «إعادة الضبط» درسًا قاسيًا من عقد ما بعد «الربيع العربي»: العزلة والدبلوماسية لهما تكاليف اقتصادية واستراتيجية حقيقية.
الرئيس رجب طيب أردوغان يروّج الآن لسياسة خارجية تُقدّم الاستقرار والتجارة والمنصات الإقليمية على الاصطفافات الأيديولوجية. وفي هذا السياق، يتيح الارتباط بإطار أمني سعودي–باكستاني لتركيا توسيع حضورها الإقليمي، وتعزيز إشارات الردع، والتحوّط من عدم اليقين دون الإضرار بموقعها في «الناتو» أو الالتزام بواجبات دفاعية تلقائية.
باكستان والسعودية
دور باكستان في هذه المعادلة الناشئة قد يبدو أقل بروزًا لكنه حاسم. فهي دولة نووية بقوات مسلحة ناضجة وقطاع متنامٍ لتصدير السلاح، ما يمنحها مصداقية ردعية وعمقًا عملياتيًا. وتوسّع مبيعاتها الدفاعية عبر الشرق الأوسط وإفريقيا ليس تجاريًا فحسب، بل استراتيجي أيضًا، إذ يعزّز علاقات أمنية طويلة الأمد.
وبالنسبة للسعودية، فإن المنطق لا يقل براغماتية. لم تعد الرياض مكتفية بوضع أمني ردّ فعلي. في إطار «رؤية 2030»، تسعى المملكة إلى استقلالية استراتيجية، وتنويع الشراكات، والقدرة على تشكيل مخرجات إقليمية بدل الاعتماد على ضمانات خارجية. إن الارتقاء بالعلاقات الدفاعية مع باكستان، وربما جذب تركيا إلى هذا المدار، يخدم هذا الهدف.
لا يتعلّق الأمر بتشكيل تكتل حصري، بل بإنشاء منصة أمنية مرنة يمكن تفعيلها سياسيًا—إن لم يكن عسكريًا—في أوقات الأزمات.
ليس محورًا بل تحوّطًا
سارع منتقدون إلى تصوير الاصطفاف المحتمل بوصفه محورًا معاديًا لإسرائيل أو للإمارات. لكن هذه القراءة تُغفل الدقة. فأنقرة والرياض وإسلام آباد لكل منها حوافز للحفاظ على علاقات عمل مع طيف واسع من الفاعلين الإقليميين، بما في ذلك أبوظبي. إن الترابط الاقتصادي وتدفّقات الاستثمار والتوازن الدبلوماسي تجعل المواجهة الصريحة أمرًا غير مرجّح.
ما يتشكّل على الأرجح هو تحوّط ضد عدم الاستقرار والفراغ الاستراتيجي. لغة «الدفاع المتبادل» أقل أهمية من الرسالة التي تحملها: القوى الإقليمية باتت أكثر استعدادًا للتنسيق فيما بينها بدل الاعتماد الحصري على ضامنين خارجيين.
الصورة الإقليمية الأوسع تعزّز هذا الفهم. فبينما تستكشف أنقرة والرياض وإسلام آباد تكوينًا ما، تعمل قوى أخرى بهدوء على بناء أطرها الخاصة. هذا الأسبوع فقط، وقّعت الهند والإمارات العربية المتحدة خطاب نوايا لتعميق التعاون الدفاعي والأمني—بما في ذلك التعاون الصناعي والأمن البحري—خلال زيارة عمل قصيرة لكنها ذات دلالة لرئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى الهند. والتوقيت لافت.
بدل تحالف مهيمن واحد، تشهد المنطقة بروز أطر أمنية متوازية ومتداخلة ومرنة، تُشكّلها المصالح الوطنية أكثر من الأيديولوجيا. وسيكشف الزمن ما إذا كانت هذه الترتيبات تُحيّد بعضها البعض، أم تتعايش، أم
تتنافس، أم حتى تتقاطع في مشهد أمني إقليمي متزايد التفتت.
الصورة الأكبر
وعليه، فإن محادثات تركيا مع باكستان والسعودية أقل ارتباطًا باتفاق واحد وأكثر دلالة على تحوّل بنيوي. فالشرق الأوسط يتجه نحو بيئة أمنية متعددة الأقطاب تُقاس فيها المكانة بالترابط، والقدرة الصناعية الدفاعية، والمرونة الدبلوماسية.
ومع شروع الهند والإمارات في رسم إطار دفاعي خاص بهما، يبدأ نظام الأمن الإقليمي المستقبلي في التشكل كفسيفساء لا كخريطة—أي مجزأ، تكيّفي، ويُعاد التفاوض عليه باستمرار. وفي الوقت الراهن، قد تكون المحادثات نفسها أهم من أي اتفاق قد تُفضي إليه في نهاية المطاف.





إرسال تعليق