إبستين …وازدواجية المعايير في النظام الدولي .

  • بتاريخ : فبراير 7, 2026 - 10:44 م
  • الزيارات : 59
  • إبستين …وازدواجية المعايير في النظام الدولي .

    بقلم: المعطي ولدالمسكين .

    تعود قضية جيفري إبستين إلى الواجهة كلما تجدد النقاش حول العدالة الدولية، لا لأنها ملف جنائي لم يُغلق فقط، بل لأنها تحولت إلى رمز صارخ لازدواجية المعايير التي تحكم النظام الدولي في تعامله مع القضايا الحساسة حين تمسّ دوائر النفوذ والمال والسياسة. فالقضية، في جوهرها، لم تعد مرتبطة بشخص واحد بقدر ما أصبحت مرآة تعكس خللاً بنيوياً في ميزان المحاسبة العالمي.

    لقد قُدِّمت العدالة الدولية، لعقود، باعتبارها منظومة كونية لا تعترف بالحصانة ولا تميّز بين الأشخاص، غير أن مسار قضية إبستين كشف حدود هذا الخطاب حين يتعلق الأمر بنخب نافذة. فبينما تُفعَّل آليات المتابعة والمساءلة بسرعة وحزم في قضايا أخرى، يُلاحظ التردد والصمت والغموض حين تتقاطع الملفات مع أسماء وازنة ومصالح كبرى.

    الأخطر في القضية ليس فقط ما نُسب إلى إبستين، بل البيئة التي سمحت له بالتحرك داخل أعلى الدوائر، وتأجيل المحاسبة، والاستفادة من تسويات مريبة في مراحل سابقة. هنا يبرز سؤال جوهري: هل العدالة واحدة للجميع، أم أن هناك عدالة خاصة بالنخب، وأخرى مخصصة للعامة؟ هذا السؤال لا يطرحه المتابعون بدافع التشكيك المجاني، بل نتيجة تراكم مؤشرات تُغذّي الإحساس بعدم المساواة أمام القانون.

    الإعلام الدولي بدوره لم يكن بعيداً عن هذه الازدواجية، إذ تباينت مستويات التغطية والجرأة، واختفى الملف أحياناً من الواجهة بسرعة لافتة، مقارنة بقضايا أخرى تُستثمر سياسياً وإعلامياً إلى أقصى حد. هذا الانتقاء في تسليط الضوء يعزز الاعتقاد بأن الحقيقة، في النظام الدولي، ليست دائماً أولوية، بل تخضع لحسابات القوة والنفوذ.

    إن ربط قضية إبستين بسؤال ازدواجية المعايير لا يعني القفز إلى استنتاجات غير موثقة، بل يعني قراءة القضية في سياقها الأوسع، حيث تُرفع شعارات حقوق الإنسان وسيادة القانون، بينما تُفرَّغ من مضمونها عندما تُهدد توازنات سياسية أو اقتصادية. وهذا ما يجعل الرأي العام العالمي أكثر تشككاً في مصداقية الخطاب الأخلاقي الذي تتبناه القوى الكبرى.

    في المحصلة، تكشف قضية إبستين أن الخلل لا يكمن فقط في الأفراد، بل في منظومة دولية تُحسن معاقبة الضعفاء، وتتردد في مواجهة الأقوياء. وستظل هذه القضية، ما لم تُكشف كل ملابساتها بشفافية كاملة، دليلاً حياً على أن العدالة في النظام الدولي ليست دائماً عمياء، بل تنظر أحياناً إلى المواقع والأسماء قبل أن تنظر إلى الوقائع.

    المعطي ولدالمسكين .