الشمالَ: “عاصفة ليوناردو” تضع لشبونة في قفص الاتهام وترفع الرباط إلى “نموذج الكفاءة”

  • بتاريخ : فبراير 8, 2026 - 10:18 م
  • الزيارات : 58
  • الشمالَ: “عاصفة ليوناردو” تضع لشبونة في قفص الاتهام وترفع الرباط إلى “نموذج الكفاءة”
    بقلم ✍️ سمير اشقر
    لم تكن عاصفة “ليوناردو” التي ضربت شبه الجزيرة الإيبيرية وشمال المغرب مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل تحولت إلى “عاصفة سياسية” هوجاء عصفت بأروقة البرلمان البرتغالي، كاشفة عن تباين صارخ في آليات إدارة الأزمات بين ضفتي المتوسط. وفي مفارقة قلبت موازين القوى التقليدية، وجد البرتغال – العضو في الاتحاد الأوروبي – نفسه يتلقى دروساً قاسية في “حماية الأرواح” من جاره الجنوبي، المغرب.
    عقيدة “الاستباق” المغربية: صفر خسائر
    في الوقت الذي كانت فيه خرائط الأرصاد الجوية تنذر بالخطر، اختارت الرباط تفعيل “عقيدة الاستباق” بدلاً من “سياسة رد الفعل”. تفيد التقارير الميدانية بأن السلطات المغربية، وبدعم لوجستي مكثف من الجيش الملكي، نفذت واحدة من أضخم عمليات الإجلاء الوقائي في تاريخ المنطقة، قبل 48 ساعة من ذروة العاصفة.
    العملية، التي وصفتها وكالات دولية بـ”العبقرية اللوجستية”، شملت إجلاء ما يربو على 100 ألف مواطن من مناطق التماس مع الخطر في العرائش، القصر الكبير، سيدي قاسم وسيدي سليمان. المشهد في المغرب لم يكن ارتجالياً؛ مروحيات، زوارق مطاطية، ومشافٍ ميدانية تحركت بتناغم دقيق لضمان نتيجة واحدة: “صفر وفيات”. لقد أثبت المغرب أن الكفاءة ليست مسألة إمكانيات مادية فحسب، بل هي “إرادة سياسية” وقرار سيادي حازم.
    لشبونة.. عندما تقتل البيروقراطية
    على الضفة الأخرى، كان المشهد مغايراً ومأساوياً. استيقظت مناطق واسعة في البرتغال على وقع السيول الجارفة، لكن الأخطر كان “سيل الانتقادات” الذي وجه للحكومة بسبب تعاملها الروتيني مع التحذيرات. الحصيلة الثقيلة التي سجلتها البرتغال (عشر ضحايا وخسائر مادية جسيمة) لم تكن مجرد أرقام، بل كانت دليلاً – حسب المراقبين – على فشل البنية التحتية الأوروبية “المحصنة نظرياً” أمام غضب الطبيعة في غياب الجاهزية البشرية.
    التباطؤ في اتخاذ القرارات الحاسمة في لشبونة، مقارنة بالسرعة القياسية في الرباط، وضع الحكومة البرتغالية في موقف لا تحسد عليه، وجعل المواطن البرتغالي يتساءل عن جدوى التقدم التقني إذا لم يترجم إلى حماية فعلية للأرواح.
    “لماذا لستم مثل المغرب؟”.. السؤال الحارق
    تحت قبة البرلمان في لشبونة، تحولت جلسات المساءلة إلى محاكمة علنية. لم يجد نواب المعارضة حرجاً في استحضار النموذج المغربي ليس للمجاملة، بل لجلد الذات الحكومية. العبارة التي رددها صدى القاعة كانت مدوية: “لماذا لستم مثل المغرب؟”.
    هذا السؤال لم يكن استفساراً عابراً، بل إقراراً بمرارة الواقع: دولة من “الجنوب” نجحت في حيث فشل “الشمال”. المقارنة المحرجة التي ساقها النواب ركزت على نقطة جوهرية: كيف لجارنا الجنوبي أن يُحرك جيشاً من المدنيين (100 ألف) بلا خسائر، بينما تغرق مدننا الحديثة في شبر ماء؟
    نهاية “عقدة الأجنبي”
    ما حدث خلال عاصفة “ليوناردو” يتجاوز حدود الكوارث الطبيعية ليلامس تحولاً جيوسياسياً ونفسياً عميقاً. لقد كسرت الرباط “عقدة التفوق الغربي” في مجال التدبير والتخطيط الاستراتيجي. واعتراف الإعلام الدولي (مثل رويترز) بالنجاح المغربي ليس إلا توثيقاً لحقيقة جديدة: الخبرة في إدارة الأزمات لم تعد حكراً على العواصم الأوروبية.
    اليوم، وبينما تلملم البرتغال جراحها، يقف المغرب منتصباً كمعيار للكفاءة في المنطقة، مُرسلاً رسالة مفادها أن حماية المواطن هي أقدس واجبات الدولة، وأن الدروس القادمة من الجنوب قد تكون طوق النجاة للشمال في عالم مناخي متقلب.