✍️ سمير اشقر
لم يأتِ الجدل الدائر في الأيام الأخيرة حول العبارات المكتوبة على سيارات نقل الأموات في المغرب من فراغ. فقد فجّر القرار المشترك رقم 1250.25، الصادر بتاريخ 13 ماي 2025 عن كل من وزارة الداخلية المغربية ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية المغربية، موجة نقاش واسعة عقب نشره في الجريدة الرسمية للمملكة المغربية يوم 12 فبراير 2026.
القرار اعتمد مواصفات موحّدة لسيارات نقل الأموات، شملت شروطًا تقنية وصحية دقيقة، من بينها تغليف المقصورة بمواد سهلة التعقيم، توفر نظام تبريد فعّال، نوافذ زجاج معتم، وضع شريطين أخضرين على جانبي المركبة، وكتابة عبارة “نقل الأموات” مع الإشارة إلى مالك السيارة فقط. هذا التفصيل الأخير فُسِّر على نطاق واسع بوصفه حذفًا للعبارات الدينية التقليدية التي درج المواطنون على رؤيتها، وهو ما فجّر نقاشًا حادًا في الشارع وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
وسرعان ما انتقل النقاش من مستوى تقني صرف إلى سؤال أعمق حول معنى “الحياد في الفضاء العام”، وحدود التنظيم الإداري عندما يلامس ممارسات ذات حمولة رمزية ودينية قوية. فعبارات مثل “لا إله إلا الله محمد رسول الله” أو “كل نفس ذائقة الموت” ليست، في نظر كثيرين، مجرد كتابات على هيكل مركبة، بل جزء من وجدان جماعي يرافق لحظة الوداع الأخيرة ويخفف من قسوتها الرمزية على الأسر والمشيّعين.
وفي تطور لافت، أفادت مصادر إعلامية مغربية، من بينها هسبريس، بأن الحكومة قررت تعديل البند الخامس من القرار ذاته المتعلق بالشكل الخارجي لسيارات نقل الأموات. وبحسب هذه المعطيات، سيُسمح بالإبقاء على عبارات دينية محددة على جانبي المركبة وفق ترتيب معيّن: “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، ثم “كل نفس ذائقة الموت”، ثم “نقل أموات المسلمين”، مع حصر بيانات مالك السيارة في الباب الخلفي فقط.
وتُرجع المصادر هذا التعديل إلى رغبة السلطات في تحيين الإطار القانوني المنظّم للقطاع، وتدقيق الجوانب الشكلية للنصوص، بما يضمن الانسجام بين المعايير التقنية ومتطلبات السلامة من جهة، والبعد الرمزي الديني والاجتماعي المرتبط بهذه الخدمة الحساسة من جهة أخرى. مقاربة تسعى، بحسب القراءة الرسمية، إلى تجنّب صدام غير ضروري مع وجدان المجتمع، دون التفريط في متطلبات التنظيم والتوحيد المهني للقطاع.
وبذلك، فإن ما يُتداول اليوم عن “تراجع” حكومي وإبقاء للشعارات الدينية لا يندرج في خانة الإشاعة، بل يستند إلى تعديل مرتقب لنص قانوني سابق، على أن يُنشر القرار المعدِّل قريبًا في الجريدة الرسمية ليكتسب طابعه الإلزامي، بدل بقائه في حدود تسريبات أو معطيات منسوبة إلى “مصادر مطلعة”.
القضية، في جوهرها، أعادت فتح نقاش أوسع حول كيفية إدارة الدولة لتقاطعات حساسة بين التنظيم الإداري والهوية الثقافية والدينية للمجتمع. نقاش يذكّر بأن بعض التفاصيل الشكلية، مهما بدت تقنية أو إجرائية، قد تحمل في الواقع وزنًا رمزيًا عميقًا حين تتصل بلحظات الفقد والوداع، حيث يكون المجتمع في أمسّ الحاجة إلى التوازن بين الصرامة التنظيمية والإنصات لنبض الناس.