قانون السمك بالجملة… تنظيم السوق أم ترتيب الغنائم قبل الرحيلقانون السمك بالجملة… تنظيم السوق أم ترتيب الغنائم قبل الرحيل؟
بقلم:المعطي ولدالمسكين .
في توقيت يثير أكثر من علامة استفهام، يطفو إلى السطح مشروع قانون يتعلق ببيع السمك بالجملة، وكأنه أولوية تشريعية قصوى في لحظة سياسية تتسم بالارتباك وقرب نهاية الولاية الحكومية. فبدل الانكباب على ملفات اجتماعية مستعجلة تثقل كاهل المواطن، يتم الدفع بمشروع يهم قطاعاً حساساً، يختلط فيه الاقتصادي بالسياسي، والتجاري بالنفوذ.
ظاهرياً، يقدم هذا القانون على أنه خطوة لتنظيم سوق السمك، وضبط الأسعار، ومحاربة الفوضى التي يعرفها القطاع. غير أن القراءة المتأنية تكشف عن مجموعة من السلبيات التي لا يمكن تجاهلها. أولها، تكريس نوع من الاحتكار المقنّع، حيث يُخشى أن يُقصي صغار التجار والمهنيين التقليديين، ويمنح الأفضلية لفاعلين كبار يملكون القدرة المالية واللوجستية للامتثال للشروط الجديدة.
ثاني هذه السلبيات يتمثل في ضرب مبدأ المنافسة الحرة، إذ أن فرض مسارات محددة للبيع عبر أسواق الجملة المنظمة قد يحرم بعض المناطق من دينامية محلية كانت تضمن توازناً نسبياً في الأسعار. كما أن تعقيد المساطر الإدارية قد يفتح الباب أمام البيروقراطية والفساد، بدل القضاء عليهما.
أما على مستوى المستهلك، الذي يُفترض أن يكون المستفيد الأول، فليس هناك أي ضمانة حقيقية بأن هذا القانون سيؤدي إلى خفض الأسعار. بل على العكس، قد يؤدي إلى زيادات جديدة نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والتخزين والوساطة، ما يفاقم من معاناة الأسر، خصوصاً في ظل الغلاء المعيشي الذي بات السمة الأبرز للمرحلة.
لكن السؤال الأهم يظل: من المستفيد من هذا القانون الآن بالذات؟
الجواب، في تقدير كثير من المتابعين، يكمن في شبكة من المصالح التي تسعى إلى إعادة ترتيب مواقعها قبل نهاية الولاية الحكومية. فالقوانين التي تمر في اللحظات الأخيرة غالباً ما تكون محمّلة بحسابات ضيقة، تهدف إلى تثبيت امتيازات أو خلق واقع جديد يصعب التراجع عنه لاحقاً.
كما أن هذا المشروع قد يشكل فرصة لبعض اللوبيات الاقتصادية لتعزيز سيطرتها على سوق السمك، في غياب نقاش عمومي واسع يضمن الشفافية والتوازن. وهو ما يطرح إشكالية أخلاقية وسياسية حول مدى شرعية اتخاذ قرارات استراتيجية في فترة يُفترض أن تكون انتقالية.
إن تمرير مثل هذا القانون في هذا التوقيت، دون إشراك حقيقي للمهنيين الصغار ودون ضمانات واضحة لحماية القدرة الشرائية للمواطن، يعكس خللاً في ترتيب الأولويات. فالتشريع ليس مجرد آلية تقنية، بل هو تعبير عن إرادة سياسية يجب أن تنحاز للصالح العام، لا لمصالح ضيقة عابرة.
في النهاية، يبقى مشروع قانون بيع السمك بالجملة اختباراً حقيقياً لمدى احترام مبادئ الحكامة الجيدة. فإما أن يكون خطوة إصلاحية حقيقية تخدم الجميع، أو يتحول إلى عنوان جديد لمرحلة تُدار فيها الشؤون العامة بمنطق تصفية الحسابات وتقاسم الكعكة قبل مغادرة السلطة.