جحيم هرمز… حين تتحول قطرة النفط إلى شرارة حرب عالمية.

بقلم: المعطي ولدالمسكين.
ليس مجرد ممر مائي عابر، بل شريان حياة يخنق العالم إن توقّف نبضه. إنّه مضيق هرمز، البوابة الضيقة التي تمرّ عبرها نسبة هائلة من تجارة النفط العالمية، والتي تجعل من أي توتر فيه زلزالًا سياسيًا واقتصاديًا يتجاوز حدود الشرق الأوسط. في هذا المكان الصغير جغرافيًا، تتقاطع مصالح القوى الكبرى، وتُختصر هشاشة النظام العالمي في نقطة واحدة يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى بؤرة انفجار.
تقف إيران على الضفة الشمالية، ممسكة بخيوط ضغط جيوسياسي حسّاسة، بينما تراقب الولايات المتحدة المشهد من خلال حضور عسكري كثيف، يهدف إلى ضمان تدفق الطاقة ومنع أي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة. بين هذين الطرفين، لا تسود قواعد القانون الدولي بقدر ما تحكم معادلات الردع، حيث تتحول كل ناقلة نفط إلى رسالة سياسية، وكل تحرك عسكري إلى إنذار غير معلن.
المضيق ليس مجرد ممر، بل سلاح غير تقليدي. التلويح بإغلاقه يكفي لإرباك الأسواق العالمية ورفع أسعار النفط إلى مستويات جنونية، دون الحاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة. إنّه نموذج واضح لكيف يمكن للجغرافيا أن تتحول إلى أداة ابتزاز في عالم يفترض أنه تجاوز منطق السيطرة التقليدية. غير أن الحقيقة تكشف عكس ذلك، فالدول الكبرى ما زالت أسيرة نقاط الاختناق، وما زال أمن الطاقة مرهونًا بممرات محدودة يمكن تعطيلها بسهولة نسبية.
تسعى دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة والسعودية، إلى تقليص هذا الاعتماد عبر مشاريع بديلة، لكن تلك الجهود تظل غير كافية لتحييد الخطر بشكل كامل. فالعالم لم ينجح بعد في فك ارتباطه بهذا الممر الحيوي، ولم ينجح في بناء نظام طاقي أكثر توازنًا واستقلالية.
ورغم البعد الجغرافي، فإن المغرب يظل من بين الدول التي تدفع ثمن أي اضطراب في هذا المضيق. ارتفاع أسعار المحروقات، زيادة تكاليف النقل، وتصاعد موجات التضخم، كلها انعكاسات مباشرة لأزمة تقع على بعد آلاف الكيلومترات، لكنها تضرب عمق القدرة الشرائية للمواطن. هنا يتجلى الترابط القاسي لعالم غير عادل، حيث يدفع الأضعف ثمن صراعات لا يملك فيها قرارًا ولا تأثيرًا.
في هذا المشهد، لا يبدو أن السيطرة على مضيق هرمز مسألة قانونية أو سيادية بقدر ما هي صراع إرادات بين قوى تبحث عن النفوذ أكثر من الاستقرار. الممر الذي يفترض أن يكون شريانًا للتجارة العالمية، تحوّل إلى أداة ضغط، وإلى ورقة تفاوض، وإلى تهديد دائم يلوح في الأفق كلما تصاعدت التوترات.
جحيم هرمز ليس في ضيق مياهه، بل في اتساع تداعياته. إنه عنوان لعالم لم يتعلم بعد كيف يفصل بين الاقتصاد والصراع، ولم ينجح في تحرير الطاقة من قبضة الجغرافيا والسياسة.
المعطي ولدالمسكين.