مصطفى مستقيم معارف
لم تكن كلمات محمد البرادعي الأخيرة مجرد تعليق عابر على أحداث الساعة، بل جاءت بمثابة جرس إنذار أخلاقي وسياسي يواجه به العالم حقيقة الانحدار من دبلوماسية الصفقات إلى سياسة الإبادة المؤسسية إن البرادعي، بخبرته الطويلة في دهاليز المنظمات الدولية، يرصد اليوم تحولا مرعبا في العقلية التي تدير الصراعات الكبرى، حيث لم يعد الهدف إخضاع الأنظمة السياسية فحسب، بل صار السعي نحو تدمير البنية التحتية والمقومات الحياتية للشعوب أداة ضغط علنية ومقلقة.
إن هذا التوجه يضعنا أمام تساؤل وجودي حول جدوى المنظومة الدولية برمتها، فكيف يمكن للمجتمع الدولي أن يقف صامتا بينما تتحول الصراعات السياسية إلى أدوات لتقويض الدول وتجويع ساكنيها؟ إن الانزلاق نحو استهداف المنشآت الحيوية والمدنية لا يمكن وصفه في عرف القانون الدولي إلا بوصفه سابقة تدميرية تضرب جذور الأعراف الإنسانية في مقتل، وتؤسس لعهد جديد تسقط فيه كل الضوابط التي كافحت البشرية عقودا لإرسائها.
وفي هذا السياق، تكتسب رؤية البرادعي أهمية خاصة في نقدها للشرعية الزائفة؛ فالرجل يرى بوضوح أن الاتفاقات التي تولد من رحم التهديد والدمار هي مجرد تسويات هشة تفتقر إلى روح الاستمرارية، لأن الإكراه لا يمكن أن يبني استقرارا بل يزرع بذور الحقد والانتقام. إن ما يحذر منه البرادعي هو أن تصبح سياسة حافة الهاوية هي المعيار الجديد، مما يعني إغراق منطقة الشرق الأوسط المثقلة بالجراح في فوضى مستدامة لا تعرف الحدود.
إننا اليوم أمام لحظة مفصلية تتجاوز الخلافات التقليدية بين القوى الكبرى، فنحن أمام اختبار حقيقي لقدرة العقل العالمي على لجم منطق القوة العمياء. فإذا ما استقر في الأذهان أن تدمير مقدرات الشعوب هو وسيلة مشروعة للتفاوض، فإننا نكون قد أعلنا رسميا نهاية عصر القانون وبدء عصر الغابة، وهو السيناريو الذي لن ينجو منه أحد إذا ما سقطت الدولة ككيان وطني تحت وطأة الأطماع السياسية.