حين تتحول صناديق الاقتراع إلى اختبار للوعي.

  • بتاريخ : أبريل 18, 2026 - 11:53 ص
  • الزيارات : 61
  • مجرد رأي

     

    حين تتحول صناديق الاقتراع إلى اختبار للوعي.

     

    ليست الانتخابات في المغرب مجرد موعد دستوري يتكرر كل بضع سنوات، بل هي لحظة حاسمة لقياس درجة الوعي المجتمعي، واختبار حقيقي لقدرة المواطن على الاختيار الحر والمسؤول. غير أن هذا المسار الديمقراطي يصطدم بإشكالية عميقة ومزمنة: الأمية وما يرتبط بها من جهل سياسي، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى تعبير الانتخابات البرلمانية والجماعية عن الإرادة الشعبية الحقيقية.

    تشير المعطيات إلى أن نسبة مهمة من المغاربة، خصوصا في العالم القروي، ما تزال تعاني من الأمية، أي عدم القدرة على القراءة والكتابة، وهو ما ينعكس مباشرة على فهم البرامج الانتخابية ومضامين الخطاب السياسي. فكيف يمكن لمواطن لا يقرأ أن يميّز بين برنامج وآخر؟ وكيف له أن يُقيم الوعود الانتخابية أو يحاسب المنتخبين؟ هنا تتحول العملية الانتخابية، في بعض الحالات، من فعل ديمقراطي واع إلى مجرد سلوك مبني على الانطباع أو التأثير المباشر.

    الأخطر من ذلك أن هذا الواقع يفتح الباب أمام ممارسات سلبية، مثل شراء الأصوات أو استغلال النفوذ والروابط القبلية والعائلية. فحين يغيب الوعي، يصبح الصوت الانتخابي عرضة للتوجيه، بل وأحيانا للبيع، مما يفرغ الديمقراطية من مضمونها الحقيقي. وهكذا، لا يصل إلى مراكز القرار دائما من يمتلك الكفاءة والبرنامج، بل من يجيد التأثير واستغلال الهشاشة الاجتماعية.

    في الانتخابات الجماعية، تتجلى هذه الإشكالية بشكل أوضح، حيث تلعب العلاقات المحلية والاعتبارات الضيقة دورا حاسما في توجيه الأصوات، أكثر من البرامج التنموية أو الكفاءة التدبيرية. أما في الانتخابات البرلمانية، فرغم الطابع الوطني، إلا أن تأثير الأمية يظل حاضرا، خاصة في غياب تأطير سياسي فعال وحملات توعوية كافية.

    لكن تحميل المسؤولية فقط للمواطن الأمي فيه تبسيط مخل فالمشكل أعمق، ويتعلق أيضا بضعف أداء الأحزاب السياسية في التأطير والتوعية، وغياب خطاب سياسي مبسط يصل إلى جميع الفئات. كما أن المدرسة والإعلام يتحملان جزءا من المسؤولية في ترسيخ ثقافة المواطنة وتعزيز التفكير النقدي.

    إن مواجهة هذه الإشكالية لا تمر فقط عبر تنظيم الانتخابات، بل عبر الاستثمار في الإنسان. فمحاربة الأمية ليست خيارا اجتماعيا فحسب، بل ضرورة ديمقراطية. كما أن نشر الوعي السياسي، وتبسيط الخطاب الانتخابي، وتشديد الرقابة على نزاهة الاقتراع، كلها خطوات أساسية لضمان أن تكون صناديق الاقتراع مرآة حقيقية لإرادة الشعب، لا مجرد واجهة شكلية.

    لا يمكن الحديث عن ديمقراطية قوية دون مواطن واعٍ. فالأمية ليست فقط عجزا عن القراءة، بل قد تتحول إلى عجز عن الاختيار. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الأكبر في المغرب هو بناء وعي جماعي يجعل من الانتخابات أداة للتغيير، لا مجرد طقس سياسي يتكرر دون أثر حقيقي.