23/04/2026
مقال اليوم الرابع عشر من المسابقة الدولية للاتحاد العالمي للتنمية والحرية والسلام
بقلم سمير اشقر
اعلامي و سفير سلام دولي
في المشهد الإعلامي الذي يصلنا يوميًا بشكل سريع ومنسق، تبدو الأخبار وكأنها وُلدت مكتملة. صورة واضحة، نص مختصر، ومعلومة جاهزة للفهم. لكن خلف هذه النتيجة النهائية، توجد مساحة أقل ظهورًا، تُصنع فيها التفاصيل الأولى لكل خبر، وتتشكل فيها ملامح الرواية قبل أن تصل إلى الجمهور.
هناك، في الميدان، يبدأ كل شيء.
حيث يتحرك المراسلون والصحفيون والمصورون في إيقاع مختلف، تحكمه سرعة الحدث، ودقة المعلومة، وضرورة الحضور في اللحظة المناسبة. لا يتعلق الأمر فقط بالتواجد، بل بالقدرة على قراءة المشهد، وفهم ما يجري، واختيار الزاوية التي تختصر القصة دون أن تُخلّ بها.
ما يظهر على الشاشة أو في الصفحة هو الجزء الأخير من رحلة أطول.
رحلة تبدأ بالبحث، تمرّ بالتأكد، وتُبنى خطوة خطوة حتى تأخذ شكلها النهائي. في هذه الرحلة، تتداخل التفاصيل الصغيرة: متابعة مستمرة، تدقيق في المعطيات، محاولات للوصول إلى مصادر مختلفة، ثم صياغة تُراعي الوضوح والدقة في آن واحد.
أما الصورة الصحفية، فهي لحظة مركّزة من هذا الجهد.
لقطة واحدة تختصر حدثًا كاملًا، لكنها لا تأتي صدفة. خلفها عين تراقب، وتنتظر التوقيت المناسب، وتدرك أن ما يُلتقط الآن قد لا يتكرر. لذلك، تتحول الكاميرا من أداة تسجيل إلى وسيلة قراءة بصرية لما يحدث.
في كواليس الإعلام، تتوزع الأدوار بشكل متكامل.
من يجمع المعلومة، من يتحقق منها، من يصوغها، ومن يقدّمها في شكلها النهائي. عملية تبدو بسيطة من الخارج، لكنها في الداخل سلسلة مترابطة من الخطوات التي تتطلب تركيزًا واستمرارية.
ومع تطور الوسائط الرقمية، أصبح هذا الإيقاع أكثر تسارعًا.
تعدد المنصات، وتنوع أشكال المحتوى، وسرعة النشر… كلها عوامل جعلت العمل الإعلامي أكثر حركية، دون أن تُلغي الحاجة إلى الدقة والفهم. فالمعلومة لم تعد تُنشر فقط، بل تُتابَع وتُعاد قراءتها في أكثر من سياق.
ورغم كل هذا، يبقى عنصر أساسي لا يتغير:
أن الحقيقة لا تُصنع في الواجهة فقط، بل تُلتقط أولًا في الميدان، ثم تُبنى تدريجيًا حتى تصل إلى المتلقي في صورتها الأقرب إلى الواقع.
في النهاية، ما نراه كخبر هو نتيجة عمل متكامل،
وما لا نراه هو ما يمنحه قيمته الحقيقية.
هناك، في الكواليس، يُصنع الفرق… بهدوء.
