: لم تكن سبتة عبر تاريخنا الممتد ثغرا ساحليا تصطدم عنده الامواج ، بل كانت ولا تزال لؤلؤة تاج السيادة المغربية،

  • بتاريخ : أغسطس 7, 2026 - 7:40 م
  • الزيارات : 49
  • الموزمبيق  بواسطة

    عبد الرحيم  بنعينوس

    حدثني هدهد مملكتنا عن التاريخ فقال: لم تكن سبتة عبر تاريخنا الممتد ثغرا ساحليا تصطدم عنده أمواج المتوسط فحسب، بل كانت ولا تزال لؤلؤة تاج السيادة المغربية، وشريان الذاكرة الصلب الذي يربط الشرفاء بمدارج المجد!! إنها القلعة الشمالية التي باهت بها جبال الريف العتيدة بزرقة البحر، والنافذة التي أطلت منها الإمبراطورية الشريفة على العالم، فتنشقت منها أوروبا نسائم الحضارة، وسالت على شواطئها دماء الفاتحين والعلماء.. سبتة لم تكن يوما صخرة صماء أو جغرافيا عابرة في دفاتر الجيران، بل كانت محرابا للعلم وثغرا للجهاد، التقت في أرجائها هيبة الدولة المغربية بصفاء العقيدة، فصارت الجسر العتيق الذي عبرت عليه الخيول والكتب، والدرع الحصين الذي رد عن جسد الوطن طعنات الطامعين لقرون طويلة.

     

    وفي رحم هذه المدينة المجيدة، لم تترعرع الأحجار والأسوار فحسب، بل أينعت عبقرياتٌ فذة غيرت وجه التاريخ الفكري والإنساني، وصاغت مفهوم التفوق المغربي في أبهى تجلياته!!

    فمن سبتة ينبثق إشعاع القاضي عياض!! نعم القاضي عياض ذلك الجبل الأشم في الفقه والقانون، الذي ملأ الدنيا بعلمه ورصّع المكتبة بكتابه الخالد “الشفاء بتعريف حقوق المصطفى”، ليغدو ابن سبتة هو القاضي الذي تحاكمت إليه عقول الأمة، والمنارة التي استضاء بها السالك في مشارق الأرض ومغاربها.. ومنها كذلك أشرقت شمس أبي العباس السبتي، شيخ المكارم ورمز السخاء المترفع، الذي نبتت فلسفته الجودية بين حاراتها قبل أن يفرش بركتها على أزقة مراكش، ليعلّم البشرية أن الوجود ينعطف بالعطاء! محولا إحسان ابن سبتة إلى قوة روحية تحمي البلاد والعباد.. وكيف ننسى شمس جغرافيتها الشارقة، الشريف الإدريسي السبتي، الذي خط بيديه أول خريطة دقيقة للعالم، فرسم للبشرية تضاريس كوكبهم يوم كانت أوروبا تتلمس طريقها في ظلمات الجهالة الجهلاء والظلمة الظلماء! ليكون ابن هذه المدينة هو العين التي أبصر بها العالم ذاته.

     

    إن هذه الأسماء العظام لم تكن طفرات جينات فردية، بل كانت نتاج بيئة مغربية سبتية ضاربة في القدم، تعجن العلم بالسيادة، وتزاوج بين صهيل الخيل في ساحات الثغور وصفير الأقلام في حِلق الجوامع والمساجد. في سبتة، كان مرابطو يوسف بن تاشفين وموحدو عبد المؤمن بن علي يضعون خطط الفتح والردع، وعليها أرسى المرينيون قواعد أسطولهم المظفر ليحرسوا المضيق ويذودوا عن الفردوس المفقود. لقد كانت سبتة بالنسبة للدولة المغربية عبر العصور هي دماغ الشمال وعين حراسة الأمة، المكان الذي إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد المغربي بالسهر والحمى. لذلك، لم تكن الأطماع الإيبيرية فيها مجرد رغبة في التوسع العقاري، بل كانت محاولة خبيثة لقطع رأس الهوية المغربية وفصل القارة الإفريقية عن فلكها الحضاري.

     

    واليوم، ورغم غبار الاحتلال المؤقت وزيف الحدود الوهمية التي يحاول الجار الشمالي ترسيخها بأسيجة الصلب والخرسانة، تبقى سبتة مغربية الهوى واللسان، والدم والوجدان.. إن الأصالة المغربية في سبتة ليست أوراق ثبوتية تُمنح أو تُسحب، بل هي المآذن التي تشهد أنسابها لعياض، والأبواب التي حُفرت على أعتابها أنفاس السبتي، والحجارة التي تحفظ خطى السلاطين الشرفاء. إن الجغرافيا قد تقبل بالهدنة، والسياسة قد تتجمل بالصبر الاستراتيجي، لكن الذاكرة الوطنية لا تصدأ ولا تخون.. ستظل سبتة بالنسبة لكل مغربي هي الحلم المستعاد، والقصيدة التي لم تكتمل أبياتها بعد، والشاهد الخالد على أن هذه الأمة المغربية العظيمة، وإن أرهقتها صروف الزمان، لا تفرط في أجزاء روحها، وأن من أخرج للعالم عياضا والإدريسي والسبتي، يملك من جينات العظمة ما يكفل له استعادة كل شبر من تاريخه المضيء عندما تدور عجلة الزمن وتستقر الحقائق في نصابها.

     

    ولأن التاريخ لا ينام على ضيم، والجغرافيا لا تعترف بالأسيجة التي تُقام في غفلة من الزمن لتنهار تحت ثقل الحقائق؛ فإن غدا لناظره لقريب!! لم تعد مسألة استرجاع سبتة أمنية حالمة تداعب مخيلة الشعراء، أو شعارا عاطفيا يُرفع في المناسبات، بل استحالت في غياهب السياسة العميقة إلى حتمية تاريخية ومعادلة جيوسياسية تُطبخ على نار المغرب الهادئة.. فالذين ظنوا أن الأسلاك الشائكة والجدران العازلة كفيلة بتخليد سلب الأرض، غفلوا عن أن الحدود الباطلة أصغر من أن تحجب نور الهوية، وأن شواطئ المدينة ما زالت تهمس لأمواج المتوسط باللسان المغربي الفصيح. إن الرباط، التي تدير صراع السيادة بالنفس الطويل والتخطيط الصامت، لا تستعجل قطف الثمار قبل تمام نضجها، بل تعيد رسم وقائع المنطقة بذكاء استراتيجي يُفكك مفاصل الاحتلال حجرا بحجر، ويحيل كبرياء مدريد إلى أوهام تذروها رياح التحولات الكبرى.

     

    تتحرك المملكة اليوم بوعي الأمة العريقة، فتُحاصر الجار الشمالي بأوراقه ذاتها؛ من قطع شرايين التهريب التي لطالما اقتذت من كرامة الوطن، إلى ترسيم الحدود البحرية وفرض قواعد اللعبة في المضيق. لقد غدت سبتة المحتلة تعيش حالة من الاختناق الناعم والعزلة الديمغرافية والاقتصادية التي تزداد تجذرا مع كل صباح؛ فالهوية داخل الأسوار تنبض بالانتماء الشريف، والقلوب تشخص نحو الوطن الأم، بينما تبدو إدارة مدريد كغريبٍ يحاول إحكام قبضته على رمال تتسرب حتما من بين أصابعه. إن التراكم المتواصل للقوة المغربية، عسكريا واقتصاديا ودبلوماسيا، يرفع كلفة الاحتلال يوما بعد يوم، ليجعل من جرف الاستعمار عبئا باهظا لا تطيق إسبانيا تحمّله، وليغدو يوم الخلاص مسألة وقت تُحدده حسابات العقل السياسي في الرباط، لا انفعالات الخصوم.

     

    وسيجيء ذلك اليوم المشهود الذي ينكسر فيه قفل الغصب الإيبيري، وتتهاوى فيه أقنعة التزويق الكولونيالي أمام ساطوع السيادة الوطنية، ليعود الثغر السليب إلى أحضان الأمة الشريفة عودة الفرع إلى أصله، والجسد إلى رأسه. حينها، ستخفق الراية المغربية خفاقة فوق قمم جبل موسى وأعالي الأسوار العتيقة، ليمتزج صهيل الذاكرة بعبير الانتصار، وتتهلل أرواح العمالقة والشهداء من القاضي عياض إلى الإدريسي والسبتي في ملحمة نصر تُعلن للعالم قاطبة أن هذا الوطن لا ينسى أجزاء روحه، ولا يفرط في ذرة من ترابه. ستعود سبتة حرة أبية، ليس فقط لأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه، بل لأن المغرب قد صاغ من صبره، وعزيمته، وتعاظم قوته، مفتاحا سياديا سيعيد رسم خريطة المتوسط كما كانت وكما ستظل أبدا: جغرافيا مغربية أصلية، وتاريخا مجيدا لا ينقطع سنده.