كلمة الإعلامي سمير أشقر بمناسبة اليوم الأممي للشغل منظم تحت لواء اللجان العمالية والنقابة الوطنية للصحافة و الاعلام الحديث

  • بتاريخ : مايو 2, 2026 - 2:02 م
  • الزيارات : 2
  • كلمة فاتح ماي
    النقابة الوطنية للصحافة و الاعلام الحديث
    سمير اشقر


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
    الحمدُ لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، النبي الأمين.
    اللهم اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واحلل عقدةً من لساني، يفقهوا قولي.

    اما بعد ،

    السيدات والسادة، الإخوة والأخوات، زميلاتي وزملائي الصحفيين، الحضور الكريم،

    يسعدني، في مستهل هذا اللقاء النضالي المتميز، أن أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى اللجان العمالية المغربية على هذه الدعوة الكريمة، وعلى ثقتها الغالية، للمشاركة في احتفالات العيد الأممي للشغل. كما أتحدث إليكم اليوم باسم النقابة الوطنية للصحافة والإعلام الحديث، هذه الإطارات المهنية المناضلة التي جعلت من الدفاع عن كرامة الصحفيين والإعلاميين رسالةً ثابتة، ومن صون حرية التعبير التزامًا لا يحيد.

    كما أحيي عاليًا اللجان العمالية المغربية، التي راكمت على مدى ثلاثة وثلاثين سنة مسارًا نضاليًا مشرفًا، تحت شعارها البليغ: “33 سنة من النضال… مسؤولية واستقرار”. وهو شعار يختزل تاريخًا من الالتزام الجاد بقضايا العمال، والدفاع المستميت عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في سبيل بناء مجتمع أكثر إنصافًا وعدالة.

    ويكتسي احتفال هذه السنة دلالة خاصة، وهو ينعقد تحت شعار قوي ودال: “قطار الإعلام المغربي لا يحتاج إلى تغيير السرعة بل يحتاج إلى تغيير السكة”. وهو شعار يحمل في طياته دعوة صريحة إلى إصلاح المنظومة الإعلامية من جذورها، لا إلى الاكتفاء بحلول ظرفية أو ترقيعية.

    كما يتقاطع هذا الشعار مع النداءات الكبرى التي نلتقي من أجلها اليوم: “أوقفوا آلة الحرب… لا للحروب الإمبريالية… نعم لكرامة الشعوب” و”لا استقرار مع الغلاء، ولا عدالة بدون محاسبة”.

    وهي شعارات تعبر بصدق عن انشغالات المواطنات والمواطنين، وعن تطلعات الطبقة العاملة، وعن الحاجة إلى إعلام حر ومسؤول يواكب قضايا المجتمع، وينحاز للحقيقة والعدالة.

    اسمحوا لي أن أقولها من القلب إلى القلب، ومن الميدان إلى كل ضمير حي: إن معركتنا اليوم ليست معركة فئة، بل معركة كرامة، ومعركة اعتراف، ومعركة عدالة.

    نلتقي اليوم في فاتح ماي، هذا الموعد النضالي والإنساني الذي يجسد قيم العمل والكرامة والإنصاف. وهو ليس مجرد مناسبة للاحتفال، بل محطة للتأمل، ووقفة للمساءلة، ومنبر لرفع الصوت دفاعًا عن حقوق العاملات والعمال، وفي مقدمتهم نساء ورجال الصحافة والإعلام.

    ومن موقعنا النقابي، نؤكد أن الدفاع عن حقوق الصحفيين ليس مطلبًا فئويًا ضيقًا، بل هو دفاع عن حق المجتمع في إعلام حر، مهني، ومستقل. فكل انتقاص من كرامة الصحفي هو انتقاص من حق المواطن في المعرفة، وكل إضعاف للمؤسسة الإعلامية هو إضعاف لركن أساسي من أركان الديمقراطية.

    إذا تحدثنا من موقع نقابي ومسؤول، فإن إشكاليات الصحافة في المغرب ليست مسألة مهنية فحسب، بل هي قضية ديمقراطية ومجتمعية بامتياز. فالإعلام الحر ليس ترفًا، بل هو أحد الأعمدة الراسخة لدولة الحق والقانون.

    ويستند الإطار القانوني المنظم للمهنة إلى الفصل 28 من دستور المملكة، الذي يضمن حرية الصحافة ويمنع الرقابة القبلية، إلى جانب القوانين 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر، و89.13 الخاص بالنظام الأساسي للصحفيين المهنيين، و90.13 المتعلق بإحداث المجلس الوطني للصحافة. وهي نصوص شكلت خطوة مهمة في مسار تنظيم المهنة، لكنها تظل بحاجة إلى تفعيل كامل وعادل، خاصة بما يضمن حماية الفئات الأكثر هشاشة داخل القطاع.

    أيها الحضور الكريم،

    إن الصحافة الوطنية تواجه اليوم تحديات متشابكة. فالمقاولات الإعلامية تعاني من هشاشة اقتصادية متفاقمة، نتيجة تراجع عائدات الإشهار، وهيمنة المنصات الرقمية العالمية على سوق الإعلان، ما ينعكس سلبًا على قدرتها على الاستثمار في الجودة والتكوين والتطوير، بل وحتى على ضمان الاستقرار المهني للعاملين بها.
    وفي قلب هذه التحديات، يقف الصحفي، وخاصة في الإعلام الجهوي والإلكتروني، في مواجهة أوضاع مهنية واجتماعية صعبة. فضعف الأجور، وعدم الاستقرار الوظيفي، وغياب التغطية الاجتماعية الكاملة في بعض الحالات، كلها عوامل تعمق الهشاشة وتحد من القدرة على العطاء.

    أما الصحفيون المستقلون، أو العاملون بنظام العمل الحر، فما يزالون يشتغلون في ظل فراغ قانوني وتنظيمي واضح. ففي الوقت الذي تضمن فيه تجارب دولية رائدة عقودًا نموذجية، وحدًا أدنى للأتعاب، وحماية للملكية الفكرية، وتغطية تأمينية وآليات للتحكيم، لا تزال هذه الفئة في بلادنا بحاجة إلى إطار قانوني أكثر إنصافًا ووضوحًا، يحفظ حقوقها ويصون كرامتها.

    ولا يمكن الحديث عن الصحافة الميدانية دون الوقوف عند أوضاع المراسلين والمصورين الصحفيين، الذين يشكلون خط الدفاع الأول عن الحقيقة. فهم العين التي ترى، والأذن التي تلتقط نبض الشارع، والصوت الذي ينقل الواقع كما هو.

    لكن هذه الفئة تؤدي رسالتها في ظروف شاقة، وتتحمل أعباءً مهنية ومالية جسيمة. فالمراسل يواجه يوميًا مشقة التنقل، وضغط المواعيد، ومخاطر التغطية في مواقع الاحتجاجات والحوادث والكوارث، في كثير من الأحيان دون تعويض عادل عن مهمة المتاعب.

    أما المصور الصحفي، فإنه يتحمل فوق ذلك عبئًا ماليًا إضافيًا. فالكاميرات الاحترافية، والعدسات المتخصصة، وأجهزة التسجيل، والحواسيب المخصصة للمونتاج، تمثل استثمارات باهظة قد تصل إلى عشرات الآلاف من الدراهم. ومع ذلك، يقتنيها الصحفي من ماله الخاص، ويتحمل وحده تكاليف الصيانة والتجديد، كما يتحمل مخاطر التلف أو الضياع أثناء العمل، دون أي تعويض أو دعم مؤسساتي.

    فكيف يُطلب من الصحفي أن يؤدي رسالته بأعلى درجات المهنية، بينما يتحمل وحده كلفة أدوات هذه الرسالة؟ وكيف يمكن الحديث عن عدالة مهنية في غياب تعويض عن استعمال معدات شخصية تُستهلك يوميًا في خدمة الحق في المعلومة؟

    إننا نطالب اليوم بإقرار تعويض قانوني ومؤسساتي عن استخدام المعدات الشخصية، وإحداث صندوق وطني لدعم اقتناء وتجديد الوسائل التقنية، ومواكبة الصحفيين في الحالات الطارئة.
    كما نطالب بتقنين واضح لوضعية المراسلين والمصورين والصحفيين المستقلين، يضمن لهم عقودًا عادلة، وتغطية صحية شاملة، وتأمينًا ضد حوادث الشغل والمخاطر المهنية، ونظامًا للتقاعد يحفظ كرامتهم بعد سنوات العطاء.

    ونشدد كذلك على ضرورة وضع بروتوكول وطني للسلامة المهنية، يشمل التدريب على إدارة المخاطر، وتوفير معدات الحماية، وضمان المؤازرة القانونية الفورية في حالات الاعتداء أو المتابعة أثناء أداء الواجب.

    وفي ظل التحول الرقمي، أصبح من الضروري أيضًا تعزيز السلامة الرقمية للصحفيين، وحمايتهم من الاختراق والتشهير والتحرش الإلكتروني، مع توفير التكوين اللازم في الأمن السيبراني وحماية المعطيات الشخصية.

    كما نؤكد على ضرورة حماية الملكية الفكرية للمحتوى الصحفي، وضمان حقوق الصحفيين في مواجهة إعادة استخدام أعمالهم دون إذن أو تعويض.

    إن تطوير الصحافة لا يمر فقط عبر حماية العاملين فيها، بل أيضًا عبر الاستثمار في تأهيلهم. ولذلك، فإن التكوين المستمر في مجالات الصحافة الاستقصائية، والتحقق الرقمي، وتحليل البيانات، وإنتاج المحتوى متعدد الوسائط، لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة مهنية ملحة.
    وفي الوقت نفسه، تظل الحاجة قائمة إلى ترسيخ أخلاقيات المهنة، وتعزيز ثقافة المسؤولية التحريرية والتنظيم الذاتي، بما يحفظ ثقة المجتمع في إعلامه ويصون مصداقية الممارسة الصحفية.

    كما نضيف إلى ذلك حزمة من المطالب النقابية الحديثة التي أصبحت ضرورة ملحّة في السياق الراهن، وتندرج ضمن رؤية شمولية لإصلاح القطاع الإعلامي:

    ـ تأطير واضح للعلاقة التعاقدية بين الصحفي والمؤسسات الإعلامية، مع إلزامية العقود المكتوبة حتى في العمل الجزئي والعمل الحر.
    ـ إرساء تعويضات عادلة عن التنقل والعمل خارج المدن، خصوصًا لفائدة المراسلين الجهويين.
    ـ وضع إطار قانوني صارم لحماية المحتوى الصحفي من الاستغلال الرقمي وإعادة النشر دون إذن أو تعويض.
    ـ تحديد مرجعية وطنية للأجور الدنيا في قطاع الصحافة حسب طبيعة المهام والمسؤوليات.
    ـ إدماج النقابات الصحفية كشريك اجتماعي كامل الصفة في الحوار الاجتماعي الوطني.
    ـ إحداث صندوق وطني لدعم الاستمرارية المهنية للصحفيين في حالات الطوارئ أو المرض أو توقف الدخل.
    ـ تنظيم وضبط استخدام الذكاء الاصطناعي في الإنتاج الإعلامي بما يحمي الشغل الصحفي ويضمن الشفافية والمصداقية.
    ـ مأسسة الاعتراف بالمراسلين الميدانيين كركيزة أساسية في المنظومة الإعلامية الوطنية.

    السيدات والسادة،

    إن الدفاع عن الصحافة في المغرب هو دفاع عن الديمقراطية، وعن حق المواطن في الحقيقة، وعن مستقبل وطن يحتاج إلى إعلام قوي، حر، ومستقل.

    وأقولها اليوم بكل وضوح: لا يمكن بناء إعلام قوي، بينما من يقفون في الميدان يُتركون وحدهم في مواجهة الهشاشة، والتكاليف، والمخاطر.
    فالصحفي الذي ينقل صوت المجتمع، يستحق بدوره أن يجد من يحمي صوته، ويصون كرامته، ويحفظ حقه.

    وما ضاع حق وراءه صوت حر، وقلم شجاع، وإرادة لا تلين.

    والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.