*بين التفاهة والوعي… معركة المحتوى في الفضاء الرقمي* 

  • بتاريخ : مايو 18, 2026 - 7:39 ص
  • الزيارات : 3
  • *بين التفاهة والوعي… معركة المحتوى في الفضاء الرقمي*

    بقلم : ذ.رضوان السكات – جريدة النهضة الدولية

     

    لم تعد معركة المجتمعات اليوم فقط مع الفقر أو البطالة أو ضعف الخدمات، بل أصبحت أيضا معركة ضد نوع جديد من الهموم … ، هموم تُستهلك يوميا عبر الشاشات، تحت غلاف الترفيه والتسلية وصناعة الترند .

    لقد تحولت بعض المواقع والمنصات إلى مصانع حقيقية لإنتاج التفاهة، حيث يدفع بالمحتوى الفارغ إلى الواجهة، بينما يدفن الفكر والمعرفة والإبداع في الزوايا المظلمة.

    أصبح صاحب المحتوى التافه واللامسؤول أكثر انتشارا من صاحب الفكر والوعي ، وأصبحت الإثارة الرخيصة أسرع وصولا من الفكرة الراقية .

    والأخطر من ذلك، أن هذا المحتوى لا يمر مرور الكرام، بل يترك أثرا عميقا على العقول، خصوصا لدى الأطفال والمراهقين، الذين يقضون ساعات طويلة أمام شاشات الهواتف دون رقابة حقيقية.

    جيل كامل قد ينشأ وهو يعتقد أن النجاح يقاس بعدد المتابعين، وأن القيمة الحقيقية للإنسان تختزل في اللايكات والمشاهدات.

    فنجد بعض صناع المحتوى لم يعودوا يبحثون عن تقديم رسالة أو إضافة فكرية، بل صار هم الكثير منهم هو تحقيق الانتشار بأي وسيلة، حتى ولو كان الثمن هو نشر الانحطاط اللغوي، والسلوك السوقي، والتفاهة المقنعة بالكوميديا.

    والمؤلم أكثر، أن المحتوى الهادف أصبح يحاصر أحيانا من طرف خوارزميات تعطي الأولوية لما يثير الجدل والضحك السريع، لا لما يبني الوعي وينمي الفكر.

    فأصبح المثقف مطالبا بأن يصرخ كي يسمع، بينما يكفي التافه أن يثير المشاهد بأي شيء كي يشاهد .

    ولم يعد الأمر مرتبطا فقط برداءة المحتوى ، بل تجاوز ذلك أحيانا إلى نشر خطاب مخل بالحياء العام، أو تقديم معلومات وتحليلات في مجالات دقيقة من طرف أشخاص لا يملكون أي تكوين أو صفة قانونية أو علمية تخول لهم الحديث فيها.

    فأصبح البعض يفتي في التربية، والطب، والقانون، وعلم النفس، وحتى القضايا الاجتماعية الحساسة، دون مسؤولية مهنية أو رقابة حقيقية، مما يساهم في نشر المغالطات وتضليل المتابعين، خصوصا فئة الشباب.

    لذا فحرية التعبير لا تعني الفوضى، والانفتاح الرقمي لا يجب أن يتحول إلى مساحة مباحة لنشر المعلومات غير المسؤولة. لذلك، أصبح من الضروري تفعيل القوانين المنظمة للمحتوى الرقمي، وربط حرية النشر بالمسؤولية، حماية للوعي العام، وصونا للقيم الأخلاقية والمهنية داخل المجتمع.

    لكن المسؤولية لا تقع فقط على المنصات، بل أيضا على الأسرة، والمدرسة، والإعلام، وحتى على المتلقي نفسه.

    لأن التفاهة لا تنتصر وحدها… بل تنتصر حين تجد جمهورا يصفق لها، ويتابعها، ويمنحها وقتا مجانيا من عمره.

    لسنا ضد الترفيه، ولا ضد الضحك، فالحياة تحتاج إلى مساحة للبساطة والترويح النفسي ، لكن الفرق كبير بين الترفيه الراقي، وبين تحويل العقول إلى مكب للمحتوى الفارغ.

    إن المجتمع لا يبنى بتفعيل اللامبالاة ، تحت شعار : ” أنا ومن بعدي الطوفان ” ، بل يبنى بالفكر ، والمساهمة في نشر العلم والوعي والتحضر بدل الخوف من انتشارهما معا .

     

    وختاما :

    حين تصبح التفاهة مخدر ، يصبح انحدار المجتمع مسألة وقت فقط .

    ذ.رضوان السكات ، مراسل صحفي بجريدة : “النهضة الدولية “