في المغرب، لم يعد “الحولي” مجرد أضحية موسمية ترتبط بفرحة العيد وشعائره الدينية، بل تحول إلى مرآة حقيقية تكشف أعطاباً عميقة في تدبير الأسواق، وتضارب الأرقام الرسمية، وصعود شبكات مضاربة راكمت الثروة وسط أزمة أنهكت جيوب المغاربة.
فبينما كانت الحكومة تؤكد العام الماضي أن القطيع الوطني يعيش وضعاً حرجاً يهدد الأمن الغذائي للبلاد، وأن أعداد الأغنام والماعز تراجعت بشكل خطير بفعل الجفاف وارتفاع تكاليف الأعلاف، خرجت بعد أشهر قليلة فقط معطيات ميدانية رسمية لتنسف الرواية بالكامل، وتعيد إشعال الأسئلة التي حاول كثيرون دفنها تحت رماد البلاغات والتطمينات.
الصدمة بدأت عندما تم تبرير قرار إلغاء عيد الأضحى سنة 2025 بوجود خصاص حاد في القطيع الوطني، حيث قُدمت أرقام رسمية تحدثت عن تراجع بنسبة تقارب 38 بالمائة مقارنة بسنوات سابقة، مع التأكيد على أن عدد رؤوس الأغنام والماعز لا يتجاوز حوالي 14 إلى 15 مليون رأس. القرار حينها قُدم باعتباره ضرورة وطنية لحماية الثروة الحيوانية من الانهيار، وتحمّل المغاربة تبعاته الاجتماعية والنفسية والاقتصادية على مضض، بينما كان الكسّابة الصغار ينتظرون الموسم باعتباره الفرصة الوحيدة لإنقاذ سنة كاملة من الخسائر والمعاناة.
لكن ما حدث لاحقاً قلب المشهد رأساً على عقب.
فالإحصاء الميداني الذي أُنجز بعد ذلك بتنسيق بين وزارة الداخلية والمصالح المختصة، والمعتمد على الترقيم الفعلي للماشية والمعاينة الميدانية المباشرة، كشف وجود ما يقارب 32 مليون رأس من الماشية، بينها حوالي 30 مليون رأس من الأغنام والماعز وحدهما. فجأة، وجد المغاربة أنفسهم أمام رقم مضاعف تقريباً لما قيل لهم قبل أشهر فقط.
هنا انفجر السؤال الذي لم يجد جواباً مقنعاً إلى اليوم: كيف يمكن لقرار بحجم إلغاء عيد الأضحى أن يُبنى على معطيات اتضح لاحقاً أنها بعيدة عن الواقع؟
مصادر مهنية تحدثت عن أن الإحصاءات السابقة اعتمدت بشكل كبير على تصريحات شفوية واختيارية لبعض المربين، وهي منهجية تفتح الباب واسعاً أمام التقليل من الأرقام لأسباب مرتبطة بالدعم أو الضرائب أو طبيعة النشاط غير المهيكل. لكن الأخطر من الخطأ الإحصائي نفسه، هو الثمن الذي دفعه الفلاح البسيط، بعدما انهارت دورة اقتصادية كاملة كان يعوّل عليها للبقاء.
وفي خضم هذا الارتباك، دخلت الحكومة في سباق مع الغضب الشعبي عبر فتح باب استيراد الأغنام على نطاق واسع، مع إعفاءات جمركية وضريبية غير مسبوقة، إضافة إلى دعم مباشر بلغ 500 درهم عن كل رأس مستورد. القرار سُوّق باعتباره خطوة لحماية القدرة الشرائية وخفض أسعار الأضاحي، غير أن الأسواق كان لها رأي آخر.
فالأسعار واصلت الاشتعال بشكل غير مسبوق، وتحولت الأضاحي المستوردة نفسها إلى رمز للغلاء الفاحش، بعدما بيعت بعض الراشات بأثمان تجاوزت ثمانية وتسعة آلاف درهم، في وقت كان المواطن يسمع يومياً حديثاً رسمياً عن “الدعم” و”تخفيف العبء”.
وسط هذا المشهد، برز اسم جديد في القاموس الشعبي المغربي: “الفراقشية الجدد”. فبين ليلة وضحاها، ظهرت شركات حديثة التأسيس دخلت قطاع استيراد المواشي مباشرة بعد قرارات الإعفاء والدعم، مستفيدة من سوق مفتوح على أرباح ضخمة وسريعة. تقارير ومعطيات متقاطعة كشفت أن وتيرة تأسيس شركات مرتبطة بالقطاع ارتفعت بشكل لافت بعد 2022، خاصة في محور الدار البيضاء ـ الرباط، ما عزز الشكوك حول تحول الأزمة إلى فرصة استثمارية لفئة محددة.
الأخطر أن الأرقام المتعلقة بعمليات الاستيراد نفسها لم تكن دائماً متطابقة. ففي الوقت الذي تحدثت فيه وزارة الفلاحة عن مئات الآلاف من رؤوس الأغنام المدعمة، أظهرت بيانات مرتبطة بحركة الاستيراد وأكواد التسجيل الجمركي أرقاماً أقل بكثير خلال بعض الفترات، ما فتح الباب أمام تساؤلات ثقيلة حول الفوارق المالية، وحول المستفيد الحقيقي من مليارات الدعم.
ورغم محاولات التبرير التقني، فإن غياب الشفافية الكاملة زاد من فقدان الثقة، خاصة أن المواطن لم يرَ أثراً فعلياً لهذا الدعم داخل الأسواق. فحين تُصرف أموال عمومية ضخمة باسم حماية القدرة الشرائية، ثم يظل “الحولي” بعيداً عن متناول شريحة واسعة من المغاربة، يصبح من المشروع التساؤل إن كان الدعم قد ذهب فعلاً إلى المواطن أم إلى جيوب تجار الأزمات.
اليوم، تبدو الحكومة وكأنها تحاول إعادة ترتيب المشهد عبر دعم الكسابة الصغار وتشجيع الحفاظ على إناث الأغنام من أجل إعادة تكوين القطيع الوطني، خصوصاً بعد التساقطات المطرية المهمة التي أنعشت المراعي وخففت الضغط على المربين. لكن رغم ذلك، لا تزال المضاربة تتحكم في جزء كبير من السوق، ولا يزال الخوف هو المحرك الأساسي للأسعار.
فالرهان الحقيقي هذا العام قد لا يكون على عدد رؤوس الأغنام بقدر ما هو على وعي المستهلك المغربي نفسه. لأن جزءاً كبيراً من لعبة السوق يقوم على خلق الهلع المبكر ودفع الأسر إلى الشراء تحت ضغط الخوف من ارتفاع أكبر للأسعار.
أما الحقيقة التي بات يصعب تجاهلها، فهي أن ملف “الحولي” لم يعد مجرد قضية موسمية، بل تحول إلى عنوان كبير لاختبار الشفافية والمحاسبة والعدالة الاقتصادية في المغرب. وبين أرقام متضاربة، ودعم بمليارات الدراهم، وأسواق تشتعل بلا رحمة، يبقى المواطن المغربي وحده من يدفع الثمن كاملاً.





إرسال تعليق