A place where you need to follow for what happening in world cup

الذكاء الاصطناعي الأخضر ومعاهد الجزري كيف يعيد المغرب رسم مستقبله الرقمي من تطوان إلى الداخلة مرورا ببنجرير.

بقلم سمير أشقر

0 41

بين ضجيج سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، وصراع القوى الكبرى على البيانات والطاقة والتكنولوجيا، يتحرك المغرب بهدوء لكن بثقة واضحة نحو بناء مشروع استراتيجي قد يغيّر موقعه بالكامل داخل الخريطة الاقتصادية الدولية.
المملكة لم تعد تنظر إلى التكنولوجيا باعتبارها رفاهية أو قطاعًا ثانويًا، بل كأداة سيادية لصناعة النفوذ والثروة والاستقلال الرقمي.
لسنوات طويلة، ارتبط الاقتصاد المغربي بالفوسفاط والفلاحة والصناعات التقليدية، لكن المملكة تتحرك اليوم في اتجاه مختلف تمامًا؛ انتقال هادئ لكنه عميق نحو اقتصاد الذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء ومراكز البيانات العملاقة.
ما يجري ليس مجرد تحديث تقني عابر، بل مشروع استراتيجي متكامل يعيد صياغة موقع المغرب اقتصاديًا وجيوسياسيًا داخل إفريقيا وحوض المتوسط.
الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي خلقت طلبًا هائلًا على الكهرباء.
تشغيل الخوادم العملاقة وتدريب النماذج الذكية يحتاج إلى كميات ضخمة من الطاقة وأنظمة تبريد متطورة، وهو ما دفع شركات التكنولوجيا الكبرى إلى البحث عن دول قادرة على توفير الكهرباء النظيفة والاستقرار والبنية التحتية المناسبة.
أوروبا أصبحت تعاني من ارتفاع التكاليف والقيود البيئية، بينما ظهر المغرب كبديل استراتيجي جذاب.
المملكة تمتلك مزيجًا نادرًا من العوامل:
موقع جغرافي قريب من أوروبا، استقرار سياسي، كابلات بحرية متطورة، وطاقة شمسية وريحية ضخمة بأسعار تنافسية.
ومن هنا بدأت الفكرة الكبرى: بدل تصدير الكهرباء الخام، لماذا لا يتم استغلالها لتشغيل مراكز بيانات عملاقة تُصدر خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية إلى العالم؟ إنها معادلة جديدة تقوم على “تصدير البيانات بدل تصدير الضوء”.
إلى جانب مراكز البيانات والبنية التحتية الصناعية، يبرز مشروع توبقال كعنصر محوري في العمق العلمي لهذه المنظومة. يُفهم باعتباره رافعة للحوسبة الفائقة والبحث العلمي في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث يهدف إلى توفير قدرات حسابية متقدمة تمكّن من تدريب النماذج اللغوية ومعالجة البيانات الضخمة داخل المغرب بدل الاعتماد على الخارج. هذا المشروع يشكل حلقة وصل بين البحث العلمي المتقدم والحوسبة الفائقة وتطوير الخوارزميات السيادية، ليصبح بمثابة “العقل الحسابي” الذي يغذي مشاريع الذكاء الاصطناعي الوطنية ويمنحها قدرة على المنافسة في سوق عالمي شديد التنافسية.
في شمال المملكة، يتحول اسم Tetouan تدريجيًا إلى مركز رقمي استراتيجي. هناك يجري تطوير مشروع “يوريكا بارك”، وهو مجمع تكنولوجي ضخم مدعوم باستثمارات دولية وشراكات مع شركات عالمية مثل NVIDIA وNaver. المشروع يعتمد على الطاقة المتجددة المغربية لتشغيل مراكز بيانات متخصصة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة، ويستهدف السوق الأوروبية بشكل أساسي، بهدف تحويل المغرب إلى منصة قريبة وآمنة للشركات العالمية التي تبحث عن بيئة مستقرة وطاقات نظيفة منخفضة التكلفة.
أما في الجنوب، فالمغرب يخطط لواحد من أكثر المشاريع جرأة في القارة الإفريقية. في مدينة Dakhla، يجري التحضير لمركز بيانات عملاق يحمل اسم “إيكودا”، سيكون من الأكبر في إفريقيا. المثير في المشروع أنه سيستخدم مياه المحيط الأطلسي لتبريد الخوادم بدل استهلاك المياه العذبة، في خطوة تجمع بين التكنولوجيا والاستدامة البيئية. لكن البعد الحقيقي يتجاوز التقنية، إذ يسعى المغرب إلى تحويل الداخلة إلى مركز سيادي لحفظ ومعالجة البيانات الإفريقية، بما يمنح القارة بديلًا عن الاعتماد الكامل على البنى التحتية الأجنبية.
إذا كانت مراكز البيانات تمثل البنية التحتية الصلبة لهذا المشروع، فإن “معاهد الجزري” تمثل العقل الذي سيقوده. أطلق المغرب هذه المبادرة لتكوين جيل جديد من مهندسي الذكاء الاصطناعي وعلماء البيانات والمبرمجين، في محاولة لبناء سيادة رقمية لا تعتمد فقط على الاستثمارات الأجنبية، بل على إنتاج المعرفة محليًا. اختيار اسم “الجزري” يحمل دلالة حضارية واضحة، تعكس رغبة في ربط المستقبل بجذور علمية ممتدة، لا في استيراد التكنولوجيا فقط بل في إعادة إنتاجها وتطويرها.
هذه المعاهد ستعمل على تطوير حلول ذكية للصحة والفلاحة والصناعة والإدارة والمدن الذكية، مع تشجيع الشركات الناشئة المغربية على إنتاج تقنيات قادرة على المنافسة. في هذا السياق، يتقاطع المشروع مع رؤية أوسع لبناء منظومة متكاملة تجعل من المغرب فاعلًا لا مجرد مستهلك في الثورة الرقمية.
السؤال الأهم يبقى: ما الذي سيستفيد المواطن العادي من كل هذا التحول؟
الجواب أن الذكاء الاصطناعي لن يبقى محصورًا داخل المختبرات أو مراكز البيانات، بل سيتسرب إلى تفاصيل الحياة اليومية: إدارة أكثر سرعة وشفافية، خدمات صحية أذكى، نقل حضري أكثر تنظيمًا، فلاحة دقيقة تقلل الهدر في الماء والطاقة، وتعليم أكثر كفاءة ومرونة. كما يُنتظر أن يفتح هذا التحول الباب أمام وظائف جديدة عالية القيمة في مجالات البرمجة والأمن السيبراني وتحليل البيانات وتطوير الخوارزميات، بدل الوظائف التقليدية منخفضة الدخل. والأهم أن هذا المسار يعيد بناء الثقة في قدرة الشباب المغربي على المنافسة والإبداع عالميًا.
ما يحدث اليوم ليس مشروعًا تقنيًا معزولًا، بل إعادة تشكيل عميقة لفلسفة التنمية نفسها. المغرب يراهن على أن المستقبل لن يُبنى فقط على الثروات الطبيعية، بل على القدرة على إنتاج المعرفة والتحكم في البيانات والطاقة الذكية. وإذا ما نجح في تثبيت هذه المشاريع وتجاوز تحديات الطاقة والماء والكفاءات البشرية، فإنه يقترب من موقع دولة محورية في إفريقيا والمتوسط، لا كمجرد تابع للتكنولوجيا، بل كمُنتج لها ومصدر لجزء من مستقبلها.
ورغم هذا الزخم الاستراتيجي المتسارع، يظل نجاح هذا التحول الكبير مرتبطًا بقدرة مختلف الفاعلين العموميين على توحيد الإيقاع العام للتنفيذ، حتى لا تتقدم الرؤية الاستراتيجية للمملكة بسرعة تفوق قدرة بعض السياسات القطاعية على المواكبة. فالمشاريع الكبرى لا تُقاس فقط بحجم الطموح، بل أيضًا بمدى الانسجام بين القرار والتنفيذ والفعالية الميدانية، وفي مثل هذه اللحظات المفصلية يصبح التناغم المؤسسي شرطًا حاسمًا لترجمة الرؤية إلى واقع ملموس يعزّز موقع البلاد في سباق السيادة الرقمية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.