A place where you need to follow for what happening in world cup

حين تتغير اللغة يتغير المجتمع تحولات صامتة في وعي الجيل المغربي

بقلد سمير اشقر

0 44

يتغير المجتمع المغربي اليوم في صمتٍ عميق، تغيّر لا يعلن نفسه في الشعارات ولا في الخطابات الرسمية، بل يتسلل عبر التفاصيل اليومية الصغيرة داخل الأسرة في لغة الشارع وفي الطريقة التي يبني بها الشباب علاقتهم بالعالم وبأنفسهم إنه تحول بطيء في الظاهر لكنه عميق في البنية يعيد تشكيل علاقة الفرد بالمعنى واللغة والهوية

داخل الأسرة لم تعد التربية محكومة بنفس النموذج التقليدي الصارم الذي ميز أجيالاً سابقة السلطة الأبوية لم تختف لكنها لم تعد مطلقة أو وحيدة في تشكيل الوعي الطفل والمراهق اليوم يعيش داخل شبكة تأثير متعددة الأسرة من جهة والمدرسة من جهة والهاتف الذكي من جهة ثالثة بما يحمله من محتوى مفتوح لا يخضع للضبط التقليدي هذا التعدد خلق جيلاً أكثر استقلالية في مظهره لكنه أكثر تشتتاً في مرجعياته لأن مصادر التوجيه أصبحت متداخلة ومتسارعة وغير متجانسة

وفي هذا السياق لم يعد الشارع مجرد فضاء للحركة بل تحول إلى فضاء لغوي وثقافي قائم بذاته لغة الشباب فيه لم تعد امتداداً مباشراً للدارجة التقليدية بل أصبحت منظومة تعبيرية خاصة تعتمد على الاختصار والرمز والمبالغة والإيحاء السريع قد تبدو هذه اللغة في ظاهرها خشنة أو فوضوية لكنها تؤدي وظيفة اجتماعية واضحة خلق الانتماء داخل المجموعة وبناء هوية سريعة داخل فضاء تنافسي شديد الإيقاع

غير أن هذه اللغة تكشف في العمق عن تحول أوسع يرتبط بقدرة الفهم والتفكير فمع تراجع عادة القراءة وضعف التعامل مع النصوص الطويلة وهيمنة المحتوى السريع أصبحت المعلومة تُستهلك بشكل لحظي ومجزأ لا كمسار معرفي ممتد وهنا يظهر نوع من الانفصال بين القدرة على التعبير السريع والقدرة على بناء معنى مركب أو متابعة فكرة طويلة دون فقدان التركيز

ويزداد هذا التوتر حين نقارنه باللغة الرسمية التي تعتمدها المدرسة والإعلام والخطاب المؤسسي وهي لغة تقوم على الدقة والبناء المنطقي والتدرج في المعنى بين هذه اللغة وتلك التي تتداول في الشارع تتسع فجوة صامتة لا تقتصر على الألفاظ بل تمتد إلى طريقة التفكير نفسها فاختلاف اللغة هنا يعكس اختلافاً في بنية إدراك العالم

إلى جانب ذلك تبرز ثقافة المظاهر كأحد أهم التحولات الاجتماعية المعاصرة لم يعد الفرد يقاس فقط بما يعرفه أو بما ينجزه بل بما يعرضه ويظهره الصورة أصبحت جزءاً أساسياً من القيمة الاجتماعية بل أحياناً تتقدم على الجوهر نفسه وسائل التواصل الاجتماعي عمقت هذا الاتجاه إذ جعلت الحياة اليومية قابلة للعرض والتقييم المستمر وحولت التفاصيل الخاصة إلى رسائل بصرية موجهة للآخرين

وفي سياق مواز يبرز تحول صامت لا يقل دلالة تراجع الاهتمامات والهوايات الفردية لدى شريحة واسعة من الشباب فعندما يطرح سؤال بسيط حول الهوايات أو الاهتمامات الشخصية تأتي إجابات قصيرة ومربكة مثل لا شيء غالباً تتبعها ضحكة خفيفة هذه الإجابة لا تعكس فقط ضعفاً في التعبير بل تشير إلى تقلص مساحات الذات خارج الاستهلاك الرقمي حيث لم تعد الهواية تُبنى كمسار طويل أو مهارة تتطور مع الزمن بل تذوب داخل التشتت اليومي السريع

ويزداد هذا المشهد تعقيداً مع ضعف الإمكانيات المتاحة لدى شريحة واسعة من الأسر فغياب الموارد الكافية وتراجع البنيات الثقافية والرياضية في العديد من المناطق يحد من فرص ممارسة الأنشطة التكوينية التي كانت تشكل في السابق فضاء لصناعة الاهتمامات والهوايات وهكذا لا يصبح غياب الهواية مجرد خيار فردي بل نتيجة مباشرة لتقاطع الضغط المادي مع ضعف العرض المؤسساتي

ولا يمكن فصل ذلك عن شكل آخر من التوتر يعيش داخل البيت نفسه يتمثل في التشتت الأسري فغياب التواصل العميق داخل بعض الأسر وانشغال كل فرد بعالمه الخاص داخل الهاتف أو العمل أو الضغوط اليومية جعل من البيت مساحة تجمع الأجساد أكثر مما تجمع المعنى هذا الانفصال الهادئ داخل الأسرة ينعكس مباشرة على الأبناء الذين ينشؤون أحياناً في بيئة قريبة مادياً لكنها متباعدة عاطفياً وتواصلياً مما يعمق لديهم الإحساس بالوحدة أو البحث عن البديل في الفضاء الرقمي أو الشارع

كما أن هذا التحول لا ينفصل عن عامل أكثر خفوتاً إعادة تشكيل الانتباه نفسه فالشباب يعيشون داخل بيئة رقمية تقوم على التشتت المستمر حيث تتقاطع الفيديوهات القصيرة والرسائل السريعة والتنقل الدائم بين المحتويات هذا النمط لا يؤثر فقط على ما يُستهلك بل على طريقة الاستمرار في أي نشاط سواء كان قراءة أو تعلماً أو حتى ممارسة هواية بسيطة

ومع ذلك فإن هذه التحولات لا يمكن قراءتها كقطيعة نهائية مع الماضي بل كعملية إعادة تركيب اجتماعي معقدة داخل المجتمع الواحد تتجاور أنماط متعددة تربية تقليدية داخل بعض البيوت وأنماط رقمية حديثة داخل أخرى لغة رسمية في المدرسة ولغة شارع في الفضاء العام وصورة مثالية على المنصات الرقمية مقابل واقع يومي أكثر تعقيداً وتوتراً

هذا التداخل غير المتوازن يخلق حالة من الضغط المستمر لكنه في الوقت نفسه يعكس مجتمعاً لا يزال في طور التشكل يبحث عن توازنه بين القديم والجديد دون أن يحسم اتجاهه النهائي بعد

وفي النهاية ما يظهر من تغيرات لغوية وتربوية وثقافية ليس مجرد مظاهر سطحية بل مؤشرات على تحول أعمق في بنية المعنى داخل المجتمع فحين تتغير اللغة تتغير طريقة الفهم وحين يتغير الفهم تتغير علاقة الإنسان بذاته وبالعالم من حوله بهدوء لكن بعمق لا يمكن تجاهله

د سمير أشقر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.