بين من اقتات من الطبيعة ومن افترس خيرات الوطن… أين تقف العدالة؟

  • بتاريخ : يونيو 10, 2026 - 5:31 م
  • الزيارات : 66
  • أعاد الجدل الذي أثارته قضية اليوتيوبر المعروف بـ”بنسنس” إلى الواجهة نقاشاً عميقاً يتجاوز تفاصيل القضية نفسها، ليلامس جوهر العلاقة بين المواطن ومؤسسات العدالة. فبعيداً عن الجوانب القانونية التي تبقى من اختصاص القضاء، وجد كثير من المغاربة أنفسهم يطرحون سؤالاً بسيطاً لكنه بالغ الدلالة: لماذا تتحول بعض القضايا إلى شأن عام يستقطب كل هذا الاهتمام، بينما تظل ملفات أخرى مرتبطة بالمال العام والثروات الوطنية محاطة بكثير من علامات الاستفهام؟

    لقد أصبح الشعور بعدم الإنصاف أحد أكثر المشاعر حضوراً في النقاش العمومي. فالمواطن الذي يواجه يومياً ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وندرة فرص الشغل، ينظر إلى حجم الأموال العمومية التي تُهدر أو تُساء إدارتها ويتساءل عن مصير المسؤولين عنها، خصوصاً عندما تكشف المؤسسات الرقابية الرسمية عن اختلالات متكررة في تدبير الشأن العام.

    ولا يتعلق الأمر هنا بالاتهام المجاني أو بإصدار الأحكام خارج المؤسسات المختصة، بل باستحضار معطيات رسمية منشورة تؤكد أن الإشكال ليس وهماً شعبياً أو مجرد انطباع عابر. فقد حصل المغرب سنة 2025 على 39 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، محتلاً المرتبة 91 عالمياً، وهو ما يعكس استمرار تحديات الحكامة والشفافية رغم الجهود المبذولة في هذا المجال. كما أشارت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها إلى أن المغرب فقد خلال السنوات الأخيرة عدداً من المراتب في المؤشر قبل أن يسجل تحسناً نسبياً في آخر تصنيف.

    هذه الأرقام ليست مجرد معطيات تقنية تهم الخبراء والباحثين، بل تعكس واقعاً يلمسه المواطن في حياته اليومية. فالفساد وسوء التدبير لا يظلان حبيسين داخل التقارير الإدارية، بل يتحولان إلى مدارس غير مكتملة، ومستشفيات تفتقر إلى التجهيزات، وطرق متدهورة، وفرص شغل ضائعة، واستثمارات لا تحقق النتائج المرجوة.

    وخلال السنوات الأخيرة، أثار ملف دعم استيراد الأغنام والأبقار والحبوب نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية. فقد خصصت الدولة مئات الملايين من الدراهم لدعم استيراد الأغنام وحدها، حيث بلغت قيمة الدعم حوالي 438 مليون درهم وفق معطيات رسمية منشورة. وكان الهدف المعلن هو الحفاظ على استقرار السوق الوطنية والتخفيف من آثار التضخم والجفاف. غير أن استمرار ارتفاع الأسعار دفع العديد من المتابعين إلى التساؤل حول مدى فعالية هذه الإجراءات، وحول المستفيدين الفعليين منها، وحول حجم الأثر الذي انعكس فعلاً على المواطن البسيط الذي ظل يواجه الغلاء نفسه تقريباً.

    وفي السياق ذاته، تتكرر كل سنة تقريباً مشاهد الحرائق التي تأتي على مساحات من المحاصيل الزراعية والغابات، في وقت يواجه فيه المغرب تحديات متزايدة مرتبطة بالأمن الغذائي والتغيرات المناخية. وبينما تتكبد البلاد خسائر مهمة في الإنتاج الزراعي، يزداد الاعتماد على الاستيراد لتغطية الحاجيات الوطنية، ما يفتح الباب أمام مزيد من التساؤلات حول السياسات العمومية المعتمدة لحماية الإنتاج المحلي وتعزيز السيادة الغذائية.

    إن جوهر المشكلة لا يكمن في وجود قوانين أو مؤسسات رقابية، فالمغرب يتوفر على ترسانة قانونية ومؤسسات دستورية تقوم بدور مهم في رصد الاختلالات وكشف مواطن الخلل. لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد صدور التقارير وانتهاء التحقيقات، حيث ينتظر المواطن رؤية نتائج ملموسة على مستوى المحاسبة واسترجاع الأموال العمومية وترتيب المسؤوليات.

    فالعدالة التي يتطلع إليها المغاربة ليست عدالة انتقائية تركز على القضايا التي تثير الجدل الإعلامي وتغفل الملفات ذات الأثر المباشر على حياة الملايين. كما أنها ليست عدالة تُقاس بعدد المتابعات فقط، بل بقدرتها على حماية المال العام وصون الثقة في المؤسسات وضمان المساواة أمام القانون.

    ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس وجود الفساد في حد ذاته، فهذه آفة تعاني منها جميع المجتمعات بدرجات متفاوتة، بل فقدان المواطن ثقته في قدرة المؤسسات على محاربته. عندما يشعر المواطن بأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء، وأن المسؤولية تقترن فعلاً بالمحاسبة، وأن المال العام يحظى بالحماية نفسها التي تحظى بها باقي الحقوق، فإن الثقة تستعيد مكانتها وتتعزز شرعية المؤسسات.

    أما عندما تستمر الأسئلة الكبرى بلا أجوبة مقنعة، وتبقى الاختلالات الضخمة مجرد أرقام تتكرر في التقارير السنوية دون أن يلمس المواطن آثاراً واضحة للمساءلة، فإن الشعور بالإحباط يتوسع وتتعمق الفجوة بين المجتمع ومؤسساته.

    ولهذا فإن القضية اليوم ليست قضية شخص أو يوتيوبر أو واقعة معزولة، بل قضية مبدأ. مبدأ العدالة المتساوية، ومبدأ حماية المال العام، ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. وهي المبادئ التي ستظل معياراً حقيقياً لقياس قوة الدولة وثقة المواطنين فيها، لأن الأوطان لا تُبنى فقط بالقوانين، بل ببناء قناعة جماعية بأن تلك القوانين تسري على الجميع دون استثناء أو تمييز.