تدخل مدينة الجديدة اليوم مرحلة دقيقة من تاريخها التنموي، حيث لم يعد الحديث عن مشاريع متفرقة أو تدخلات ظرفية، بل عن رؤية متكاملة تعيد رسم ملامح المدينة على امتداد السنوات المقبلة، في أفق يمتد إلى 2029، بغلاف مالي يناهز 1.446 مليار درهم، وهو رقم يعكس حجم الرهان لا فقط على البنية التحتية، بل على إعادة تعريف وظيفة المدينة ومكانتها داخل محيطها الجهوي والوطني.
هذا التحول لا يأتي من فراغ، بل يتقاطع مع دينامية أوسع تعرفها جهة الدار البيضاء–سطات، حيث تتقدم المشاريع الكبرى المرتبطة بالصناعة واللوجستيك والموانئ، وفي قلبها الجرف الأصفر باعتباره أحد أقوى الأقطاب الصناعية في المملكة، ما يجعل الجديدة جزءاً من منظومة اقتصادية تتحرك بسرعة وتتطلب مدينة قادرة على مواكبة هذا الإيقاع بدل الاكتفاء بدور هامشي في محيطها.
المعطيات المعلنة تكشف أن البرنامج المرتقب لا يقتصر على إعادة تهيئة الطرق أو تحسين بعض المرافق، بل يتجه نحو معالجة شاملة للمدينة: محاور طرقية أكثر انسيابية، إنارة عمومية بمعايير حديثة، فضاءات خضراء وساحات يعاد التفكير في وظيفتها الجمالية والاجتماعية، ومواقف تحت أرضية تعيد تنظيم علاقة المدينة بالسيارة وبالازدحام اليومي الذي أصبح جزءاً من تفاصيلها الصعبة. إلى جانب ذلك، يبرز ملف الأحياء والشوارع الداخلية باعتباره أحد أكثر الجوانب حساسية، لأنه يمس بشكل مباشر الحياة اليومية للسكان.
في العمق، يحمل المشروع بعداً آخر لا يقل أهمية، يتعلق بإعادة الاعتبار للهوية الحضرية والتاريخية للجديدة، من خلال تأهيل الحي البرتغالي وتحويله من فضاء تراثي صامت إلى رافعة سياحية وثقافية قادرة على استقطاب الزوار والاستثمار في الذاكرة بدل تركها في الهامش. وفي الاتجاه نفسه، تأتي إعادة تأهيل الأسواق والفضاءات التجارية كجزء من محاولة لإحياء الدورة الاقتصادية داخل المدينة نفسها، وليس فقط على أطرافها الصناعية.
لكن القيمة الحقيقية لهذا التصور تظهر أكثر حين يتم ربطه بما يجري خارج المدينة مباشرة، خصوصاً في محيط الجرف الأصفر، حيث تتسارع الاستثمارات الصناعية واللوجستية، ويجري تعزيز الربط الطرقي كما يظهر في مشروع الطريق المدارية الجديدة بمولاي عبد الله، ما يعكس توجهاً واضحاً نحو بناء شبكة نقل أكثر كفاءة تربط الإنتاج بالميناء والمدينة والطرق الوطنية في منظومة واحدة مترابطة.
المعادلة التي تتشكل هنا واضحة في جوهرها: مدينة لا تريد أن تبقى مجرد امتداد إداري أو سكني لمحيط صناعي قوي، بل تسعى إلى التحول إلى فاعل اقتصادي وسياحي وخدماتي متكامل، قادر على استثمار موقعه بين الدار البيضاء وآسفي، وعلى ضفاف واحدة من أهم الواجهات الأطلسية في المغرب.
ومع ذلك، فإن حجم الطموح يضع المدينة أمام سؤال حاسم لا يقل أهمية عن حجم الاستثمارات نفسها، وهو سؤال التنفيذ. فالمشاريع الكبرى لا تُقاس بقيمتها المالية ولا بحجم الإعلانات المرتبطة بها، بل بقدرتها على التحول إلى واقع ملموس، وبمدى احترامها للآجال، وجودة الإنجاز، وشفافية التدبير، وقدرتها على تغيير الحياة اليومية للسكان بعيداً عن الشعارات.
بين طموح التخطيط وصرامة الواقع، تقف الجديدة اليوم على عتبة مرحلة جديدة، تبدو فيها أقرب إلى ورش مفتوح لإعادة بناء الذات، أكثر من كونها مجرد مدينة تدخل برنامجاً تنموياً عادياً.





إرسال تعليق