الدكتور مصطفى مستقيم
قبل أن يلج أي محام باب وزارة العدل يكون قد حمل لسنوات هم الدفاع عن الحقوق والحريات وآمن بأن المحاماة ليست مجرد وسيلة لكسب الرزق بل رسالة تقوم على حماية العدالة وصون كرامة المتقاضين لذلك كان طبيعيا أن يعلق المحامون آمالا كبيرة على كل وزير للعدل جاء من قلب المهنة معتقدين أن من خبر قاعات المحاكم وعرف هموم الدفاع سيكون الأقرب إلى فهم مطالب المحامين والأكثر حرصا على استقلالهم
لكن التجربة أظهرت واقعا مختلفا فقد تعاقب على وزارة العدل محامون كبار كانت لهم أسماء وازنة في ساحات القضاء والعمل الحقوقي والسياسي غير أن العلاقة بين الوزارة وهيئات المحامين دخلت خلال ولايتهم في دوامة من التوتر والاحتقان حتى أصبحت من أكثر الفترات صعوبة في تاريخ المهنة الحديث
المفارقة أن من دافع بالأمس عن استقلال المحاماة واعتبرها ركنا أساسيا في بناء دولة القانون وجد نفسه اليوم في موقع السلطة يتبنى مقاربة مختلفة جعلت جسور الثقة تتآكل بين الوزارة والمحامين وكأن الجلوس على كرسي المسؤولية يفرض رؤية أخرى تختلف تماما عن تلك التي كان يحملها المحامي وهو يقف أمام منصة الدفاع
لا يتعلق الأمر هنا بمحاكمة الأشخاص أو إنكار ما قد يكون تحقق من إصلاحات بل بقراءة تجربة أفرزت نتيجة واضحة وهي أن الانتماء السابق إلى مهنة المحاماة لا يكفي وحده لضمان علاقة سليمة مع أهلها إذا غابت إرادة الحوار والإنصات واحترام خصوصية هذه المهنة باعتبارها شريكا أساسيا في تحقيق العدالة
لقد كان كثير من المحامين يعتقدون أن وصول أحد أبنائهم إلى وزارة العدل سيكون بداية مرحلة جديدة يسودها التعاون والتفاهم لكن الواقع خيب تلك التطلعات وولد شعورا بأن السلطة قادرة على تغيير الأولويات وإعادة ترتيب القناعات حتى عند من عاشوا سنوات طويلة وهم يدافعون عن المبادئ نفسها
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هل المشكلة في الأشخاص أم في طبيعة المنصب الذي يجعل المسؤول ينظر إلى المحاماة بعين الإدارة بدل عين المهنة وإذا كان من عاش تجربة الدفاع وعرف قيمة استقلال المحامي لم ينجح في بناء الثقة مع هيئات الدفاع فمن يستطيع تحقيق ذلك مستقبلا إن الإجابة عن هذا السؤال أصبحت ضرورة لأن استقرار العلاقة بين وزارة العدل والمحامين ليس مصلحة فئوية بل هو ضمانة أساسية لعدالة قوية تحمي حقوق المواطنين وتكرس الثقة في القضاء.





إرسال تعليق