مجرد رأي في عقود( العمل المؤقت)

  • بتاريخ : يوليو 19, 2026 - 5:13 م
  • الزيارات : 57
  • مجرد رأي
    في عقود( العمل المؤقت)

    ليس من العدل أن يطلب من العامل أن يخلص لمؤسسته وأن يضاعف إنتاجه وأن يبتكر ويبدع بينما يعيش كل يوم تحت شبح انتهاء عقده أو عدم تجديده فكيف لإنسان لا يعرف إن كان سيحتفظ بعمله بعد أشهر قليلة أن يفكر في بناء أسرة أو شراء منزل أو تعليم أبنائه أو حتى التخطيط لعطلته القادمة إن الخوف لا يصنع الإبداع والقلق لا يصنع التنمية والإنسان الذي يعيش على حافة المجهول لا يمكن أن يقدم أفضل ما لديه
    لقد أصبحت عقود العمل المؤقتة في كثير من القطاعات وسيلة للتهرب من المسؤولية الاجتماعية أكثر منها ضرورة تفرضها طبيعة العمل وتحول العامل إلى مجرد رقم قابل للاستبدال في أي لحظة دون أن يلتفت أحد إلى ما يتركه ذلك من جراح نفسية وانكسارات إنسانية وآثار اجتماعية تمتد إلى أسر كاملة
    العامل الذي يعيش بعقد مؤقت لا يحمل إلى بيته راتبا فقط بل يحمل معه الخوف والتوتر وعدم اليقين يحمل سؤالا يتكرر كل ليلة ماذا لو لم يجدد عقدي ماذا سأقول لأبنائي كيف سأؤدي الإيجار أو أقساط القروض أو مصاريف الدراسة وهكذا يتحول البيت الذي يفترض أن يكون مكانا للراحة إلى فضاء للقلق الدائم وتصبح الأسرة كلها رهينة قرار إداري قد يصدر في أي وقت
    أما اقتصاديا فإن العامل المؤقت لا يستهلك بثقة ولا يستثمر بثقة ولا يقترض بثقة لأنه لا يملك ضمانة للمستقبل فتتراجع قدرته الشرائية ويتقلص دوره في تحريك عجلة الاقتصاد بينما تخسر الدولة طاقات بشرية كان يمكن أن تكون أكثر إنتاجا لو شعرت بالأمان
    والأخطر من كل ذلك أن عقود العمل المؤقتة تخلق جيلا يخاف من المبادرة ويخشى التعبير عن رأيه ويقبل أحيانا بالظلم خوفا من فقدان مصدر رزقه لأن الحاجة أقوى من الاعتراض ولأن لقمة العيش تصبح وسيلة للضغط بدل أن تكون ثمرة للعمل والجد والاجتهاد
    إن التنمية الحقيقية لا تقاس بعدد المشاريع ولا بحجم الاستثمارات فقط بل تقاس أيضا بمدى شعور المواطن بالأمان داخل وطنه فالأمان الوظيفي ليس ترفا وليس امتيازا تمنحه المؤسسات متى شاءت بل هو ركيزة للاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي وحق من حقوق الإنسان لا يقل أهمية عن الحق في التعليم أو العلاج
    لقد آن الأوان لإعادة النظر في ثقافة التشغيل الهش لأن الوطن الذي يريد التنمية لا يمكن أن يبني اقتصاده على عمال يعيشون في خوف دائم ولا على شباب ينتظرون كل سنة قرار تجديد عقد قد يأتي وقد لا يأتي فالأوطان لا تنهض بالأيدي المرتجفة وإنما تنهض بالعقول المطمئنة والنفوس الواثقة والإنسان الذي يشعر أن مستقبله محمي هو وحده القادر على أن يحمي مستقبل وطنه