في الوقت الذي تفتح فيه رؤية «الجديدة 2040» نقاشًا واسعًا حول مستقبل المدينة والإقليم، من خلال تصور يقوم على استثمار الجرف الأصفر، والميناء، والفلاحة، والصيد البحري، والسياحة، والجامعة، والصناعة، والتراث، يبرز سؤال أساسي لا يمكن تجاهله: ما موقع الاستدامة وأهداف التنمية المستدامة في أي مشروع مستقبلي يراد له أن يغيّر وجه الجديدة ويضعها في موقع متقدم على خريطة التنمية الوطنية والدولية؟
فالجديدة لا تعاني من غياب الإمكانات، بل تتوفر على مقومات اقتصادية وجغرافية وسياحية وبيئية واستراتيجية تجعلها مؤهلة لتكون قطبًا وطنيًا ودوليًا. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تعداد هذه المؤهلات، وإنما في كيفية تدبيرها وتحويلها من إمكانات متفرقة إلى منظومة تنموية متكاملة، قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل وتحسين جودة حياة السكان، دون استنزاف الموارد الطبيعية أو تحميل الأجيال القادمة كلفة أخطاء الحاضر.
وهنا تأتي الاستدامة باعتبارها أكثر من مجرد مفهوم بيئي أو شعار مؤسساتي. فالاستدامة تعني بناء نموذج تنموي يوازن بين ثلاثة أبعاد مترابطة: الاقتصاد، والمجتمع، والبيئة. فلا يمكن اعتبار مشروع ما ناجحًا إذا حقق أرباحًا اقتصادية على حساب البيئة، أو جذب استثمارات دون أن ينعكس أثرها على فرص الشغل وتحسين حياة المواطنين، أو أنجز بنيات تحتية دون ضمان استمراريتها ونجاعتها وقدرتها على الصمود أمام تحديات المستقبل.
أما أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، التي أقرتها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة سنة 2015 ضمن أجندة 2030، فهي تقدم إطارًا عالميًا يمكن أن يساعد المدن والأقاليم على الانتقال من التخطيط الظرفي والعشوائي إلى التخطيط المبني على أهداف واضحة وغايات محددة ومؤشرات قابلة للقياس. وتتفرع هذه الأهداف السبعة عشر إلى 169 غاية، تغطي مختلف جوانب الحياة والتنمية، من القضاء على الفقر والجوع، وضمان الصحة الجيدة والتعليم الجيد، إلى تحقيق المساواة، وتوفير العمل اللائق، وتعزيز الصناعة والابتكار والبنية التحتية، وبناء مدن ومجتمعات مستدامة، وضمان الاستهلاك والإنتاج المسؤولين، ومواجهة تغير المناخ، وحماية الحياة البحرية والبرية، وتعزيز السلام والعدالة والمؤسسات الفعالة، وترسيخ الشراكات من أجل تحقيق التنمية.
وتكمن أهمية هذه الغايات في أنها تجعل التنمية أكثر دقة ووضوحًا، إذ لا تكتفي بطرح عناوين عامة، بل تضع أمام صانع القرار أسئلة عملية: ماذا نريد أن نحقق؟ خلال أي مدة؟ ما الموارد المطلوبة؟ من المستفيد؟ وما المؤشرات التي ستثبت أن المشروع حقق أهدافه فعلًا؟ ومن هذا المنظور، فإن إدماج أهداف التنمية المستدامة وغاياتها الـ169 في رؤية «الجديدة 2040» يمكن أن يمنح المشروع بعدًا استراتيجيًا حقيقيًا، بحيث يصبح لكل مشروع هدف واضح، ولكل استثمار أثر قابل للقياس، ولكل قرار مسؤولية محددة، ولكل نتيجة مؤشرات يمكن تتبعها وتقييمها.
ومن هنا يمكن طرح سؤال جوهري: هل يمكن أن نتحدث عن «الجديدة 2040» دون أن تكون أهداف التنمية المستدامة جزءًا أساسيًا من هندسة هذا المشروع؟ إن ربط التنمية المحلية بأهداف التنمية المستدامة من شأنه أن يحد من مظاهر الارتجالية والتدبير غير المبني على النتائج، لأن كل مشروع سيصبح مطالبًا بالإجابة عن أسئلة واضحة: ما الهدف؟ ما التكلفة؟ ما الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي؟ كم فرصة شغل سيخلق؟ من سيستفيد منه؟ ما مدة إنجازه؟ وما المؤشرات التي ستحدد نجاحه أو فشله؟
بهذه الطريقة، تتحول التنمية من مجرد لائحة مشاريع إلى منظومة متكاملة، تتفاعل فيها الصناعة مع الجامعة، والميناء مع اللوجستيك، والفلاحة مع الصناعات الغذائية، والسياحة مع التراث، والاقتصاد الأزرق مع حماية الساحل، والاستثمار مع التشغيل، والبحث العلمي مع الابتكار.
فوجود الجرف الأصفر والميناء والصناعة والفلاحة والبحر والتراث والجامعة لا يكفي وحده لصناعة مدينة ناجحة. فالمدينة الناجحة هي التي تستطيع تحويل هذه المقومات إلى قيمة مضافة حقيقية، وتربط بينها ضمن رؤية واحدة، وتضمن أن تكون التنمية الاقتصادية في خدمة الإنسان، وأن يكون الاستثمار مصحوبًا بالعدالة الاجتماعية، وأن تكون المشاريع منسجمة مع حماية البيئة والموارد الطبيعية.
وهنا تظهر أهمية الحكامة والشفافية. فالتسيير الرشيد لا يعني فقط إنجاز المشاريع، وإنما يعني التخطيط لها بشكل سليم، وتتبع تنفيذها، وتقييم نتائجها، وقياس أثرها، وربط المسؤولية بالمحاسبة. ولذلك فإن فكرة إنشاء «مرصد الجديدة للتنمية والأداء»، كما وردت في مقترح «الجديدة 2040»، يمكن أن تشكل خطوة مهمة إذا تحولت إلى آلية فعلية وشفافة، تتيح للمواطن والباحث والإعلام والمجتمع المدني معرفة المشاريع المبرمجة، وكلفتها، ومراحل إنجازها، ونسب تقدمها، ومصادر تمويلها، والنتائج المحققة على أرض الواقع.
فالمواطن اليوم لا يريد فقط أن يسمع عن مليارات الاستثمارات، بل يريد أن يعرف: ماذا تغير في حياته؟ هل تحسنت جودة النقل والتنقل؟ هل أصبحت المدينة أنظف وأكثر جاذبية؟ هل تحسن الولوج إلى الخدمات الصحية؟ هل ارتفعت فرص الشغل؟ هل استفاد الشباب من الاستثمار المحلي؟ هل تحولت الثروة الصناعية إلى قيمة مضافة داخل الإقليم؟ هل استفادت المقاولات المحلية من الدينامية الاقتصادية؟ وهل أصبحت السياحة موردًا اقتصاديًا على مدار السنة بدل أن تبقى مرتبطة بموسم الصيف؟ هذه الأسئلة ليست هامشية، بل هي في صميم التنمية المستدامة.
إن وجود الجرف الأصفر وما يرتبط به من أنشطة صناعية ولوجستية واقتصادية يمثل فرصة استثنائية، لكن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات، بل بمدى قدرة الاقتصاد المحلي على الاستفادة من سلاسل القيمة المرتبطة بها. فالمطلوب هو تعزيز العلاقة بين الاستثمارات الكبرى والمقاولات المحلية، وتشجيع الابتكار، وتطوير التكوين المهني المتخصص، وربط الجامعة ومؤسسات البحث العلمي بحاجات الاقتصاد، حتى لا يبقى الإقليم مجرد فضاء يحتضن المشاريع الكبرى، بل يصبح شريكًا حقيقيًا في إنتاج المعرفة والقيمة وفرص العمل.
ومن هنا، فإن «الجديدة 2040» مطالبة بطرح سؤال التشغيل بجدية: كيف يمكن تحويل الثروة الموجودة إلى فرص حقيقية للشباب؟ وكيف يمكن أن تتحول الاستثمارات الكبرى إلى رافعة للاقتصاد المحلي، بدل أن تظل آثارها محدودة على محيطها المباشر؟
والجديدة ليست مدينة صناعية فقط، بل هي أيضًا مدينة بحرية وسياحية وثقافية. موقعها الأطلسي، وشريطها الساحلي، وثروتها السمكية، وتراثها التاريخي، ومدينة مازاغان العتيقة، كلها عناصر يمكن أن تجعل منها وجهة سياحية واقتصادية متكاملة. لكن السياحة المستدامة تتطلب تجاوز النموذج الموسمي، والانتقال إلى سياحة تمتد على مدار السنة، تجمع بين الثقافة والتراث والبيئة والرياضة والاقتصاد الأزرق والسياحة القروية والإيكولوجية.
كما أن حماية الساحل والموارد البحرية يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي رؤية مستقبلية، لأن التنمية التي تستنزف البحر أو تضر بالمنظومة البيئية الساحلية ستدفع الأجيال القادمة ثمنها. ومن هنا تبرز أهمية الاقتصاد الأزرق باعتباره مجالًا واعدًا يمكن أن يجمع بين خلق فرص الشغل وحماية الموارد الطبيعية، شريطة أن يقوم على الحكامة والتخطيط والاستغلال المسؤول.
إن الاستدامة تفرض كذلك التفكير في المستقبل. فالجديدة التي نريدها سنة 2040 يجب ألا تُبنى فقط بمنطق الحاضر، بل بمنطق الأجيال المقبلة. وهذا يعني الاستثمار في الطاقات النظيفة، وإعادة استعمال المياه، وتحسين تدبير النفايات، وتشجيع الاقتصاد الدائري، وتطوير النقل المستدام، وتوسيع المساحات الخضراء، وحماية الساحل، وترشيد استهلاك الطاقة، وتطوير صناعات منخفضة الانبعاثات، وتعزيز الرقمنة والذكاء الحضري.
كما يتطلب الأمر بناء مدينة ذكية، لا بمعنى التكنولوجيا فقط، بل بمعنى القدرة على استخدام البيانات والمعرفة لتحسين الخدمات العمومية، وتسهيل حياة المواطن، وترشيد الموارد، وتسريع اتخاذ القرار، ورفع جودة الحكامة.
ولا يمكن تصور «الجديدة 2040» دون إعطاء الجامعة والبحث العلمي والابتكار مكانة مركزية في النموذج التنموي. فالجامعة يجب ألا تبقى منفصلة عن محيطها الاقتصادي والاجتماعي، بل ينبغي أن تكون شريكًا في صناعة المستقبل، من خلال تطوير البحث في مجالات الصناعة والطاقات المتجددة والاقتصاد الأزرق والفلاحة المستدامة والذكاء الاصطناعي والبيئة والهندسة والتخطيط الحضري.
فالمدينة التي تريد أن تنافس في أفق 2040 تحتاج إلى الاستثمار في العقول بقدر استثمارها في البنيات التحتية، لأن المعرفة والابتكار أصبحا من أهم مقومات التنافسية في عالم سريع التحول.
وفي نهاية المطاف، لا معنى لأي رؤية تنموية إذا لم يكن المواطن في قلبها. فالتنمية المستدامة ليست فقط طرقًا وموانئ ومصانع ومشاريع كبرى، بل هي أيضًا مدرسة جيدة، ومستشفى لائق، ونقل عمومي فعال، وفضاءات خضراء، وبيئة نظيفة، وفرص شغل، وعدالة مجالية، وخدمات عمومية ذات جودة.
ولهذا فإن نجاح «الجديدة 2040» يجب أن يقاس بما يشعر به المواطن في حياته اليومية، وليس فقط بما يُعلن عنه من أرقام الاستثمارات وحجم المشاريع. فالمواطن يريد أن يرى أثر التنمية في واقعه، وأن يشعر بأن الثروة التي تنتجها أرضه ومؤسساته ومؤهلات إقليمه تعود عليه وعلى أسرته ومجتمعه بالنفع.
ومن هذا المنطلق، فإن «الجديدة 2040» يمكن أن تكون فرصة تاريخية لإعادة التفكير في نموذج التنمية المحلية، بشرط أن تتحول من مجرد رؤية طموحة إلى عقد ترابي واضح، تتقاطع فيه جهود الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص والجامعة والمجتمع المدني والمواطنون، عقد يقوم على التخطيط، والشفافية، والمشاركة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحديد الأولويات، وقياس الأثر، وإشراك المواطنين في صناعة القرار المحلي.
فإذا كانت الثروة موجودة، فإن المطلوب هو حسن تدبيرها. وإذا كانت المشاريع موجودة، فإن المطلوب هو قياس أثرها. وإذا كانت الطموحات كبيرة، فإن المطلوب هو حكامة توازي حجم هذه الطموحات.
فهل نريد فقط جديدة أكثر جمالًا؟ أم نريد جديدة مستدامة، عادلة، ذكية، خضراء ومزدهرة، قادرة على خلق فرص الشغل وتحسين جودة حياة سكانها؟
وربما يكون السؤال الأهم: هل نمتلك اليوم الجرأة للانتقال من منطق التسيير العشوائي والقرارات الظرفية إلى منطق التخطيط الاستراتيجي، والحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل أهداف التنمية المستدامة وغاياتها الـ169 بوصلة لكل مشروع وكل قرار؟
إن «الجديدة 2040» لن تُبنى فقط بالإسمنت والطرق والموانئ والمصانع، بل ستُبنى أولًا بالعقل، والتخطيط، والاستدامة، والحكامة الرشيدة، والإنسان الذي يجب أن يكون في قلب كل رؤية وكل مشروع.
فالثروة موجودة فعلًا… والإمكانات موجودة… والموقع موجود… والفرص موجودة…
لكن السؤال الذي سيحسم مستقبل الجديدة هو: هل نستطيع أن نحول كل هذه الإمكانات إلى تنمية مستدامة، عادلة وذكية، يستفيد منها الإنسان اليوم، وتحفظ في الوقت نفسه حق الأجيال القادمة في غد أفضل؟









إرسال تعليق