للمرة الثانية في ظرف وجيز، تعود مشاهد محاولات الهجرة الجماعية لتفرض نفسها بقوة على الرأي العام المغربي. مشاهد مؤلمة لشباب لا يجمعهم تنظيم سياسي ولا خطاب أيديولوجي، بل يجمعهم شعور واحد: أن الطريق إلى حياة كريمة أصبح أكثر وعورة داخل الوطن من خارجه.
المغرب اليوم ليس بلداً يفتقر إلى المشاريع الكبرى. فالموانئ العملاقة، والطرق السيارة، والقطارات فائقة السرعة، ومحطات تحلية مياه البحر، والمناطق الصناعية، والاستثمارات الأجنبية، كلها مؤشرات تؤكد أن البلاد تعيش دينامية تنموية غير مسبوقة. غير أن السؤال الذي يطرحه الشباب بمرارة يظل بسيطاً: أين نحن من كل هذا؟
لقد أصبح من الواضح أن جزءاً مهماً من الشباب لا يقيس التنمية بحجم الاستثمارات ولا بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بقدرته على الحصول على وظيفة تحفظ كرامته، وراتب يتيح له تكوين أسرة، وتأمين مسكن، ومواجهة غلاء المعيشة الذي طال كل تفاصيل الحياة، من الغذاء إلى النقل، ومن العلاج إلى التعليم.
المفارقة المؤلمة أن كثيراً من فرص الشغل التي توفرها بعض القطاعات الصناعية لا تحقق هذا الطموح. ففي مصانع تركيب الأسلاك والكابلات الخاصة بصناعة السيارات، والتي تعد من أبرز القطاعات المصدرة في المغرب، شهدت السنوات الأخيرة احتجاجات متكررة من العمال للمطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل، معتبرين أن الدخل المتاح لا يواكب الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة. ولا يعني ذلك أن كل المصانع أو الشركات تعمل بالمعايير نفسها، لكن هذه الاحتجاجات تعكس نقاشاً مجتمعياً أوسع حول جودة فرص الشغل، وليس فقط عددها.
إن خلق آلاف الوظائف يفقد جزءاً كبيراً من قيمته إذا كانت أجورها لا تسمح للعامل بالعيش الكريم، أو إذا كان الشباب يشعر بأنه يعمل فقط ليبقى على قيد الحياة، لا ليبني مستقبلاً. فالتنمية الحقيقية لا تقاس بعدد مناصب الشغل وحدها، بل بجودتها واستقرارها وقدرتها على تحقيق الأمن الاجتماعي.
ولعل أخطر ما تكشفه موجات الهجرة الجماعية ليس الرغبة في مغادرة الوطن، وإنما فقدان الثقة في أن المستقبل يمكن أن يُصنع داخله. فالشاب الذي يخاطر بحياته في البحر يعلم أن احتمال الموت قائم، لكنه يرى أن البقاء دون أفق قد يكون موتاً من نوع آخر.
ولا يمكن اختزال الظاهرة في البعد الأمني أو في وجود شبكات تهريب تستغل أوضاع الشباب، رغم خطورة هذه الشبكات وضرورة التصدي لها. فالمهرب لا يصنع اليأس، بل يستثمر فيه. أما العلاج الحقيقي، فيبدأ من معالجة الأسباب التي تجعل آلاف الشباب مستعدين لتصديق أي وعد بالوصول إلى الضفة الأخرى.
لقد أكد جلالة الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة أن المواطن يجب أن يكون في صلب التنمية، وأن ثمار النمو ينبغي أن تنعكس على تحسين مستوى عيش المواطنين وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. وهي رؤية استراتيجية تضع الإنسان في قلب المشروع التنموي، غير أن نجاحها يظل رهيناً بقدرة مختلف الفاعلين والمؤسسات على تحويل هذه التوجيهات إلى واقع ملموس يشعر به الشباب في حياته اليومية.
اليوم، لم يعد الشباب يطالب بالمستحيل. إنه يبحث عن وظيفة محترمة، وأجر عادل، وسكن في المتناول، وخدمات عمومية ذات جودة، وفرصة حقيقية لبناء مستقبل داخل وطنه. وهذه المطالب ليست رفاهية، بل هي أساس الاستقرار الاجتماعي وأقوى حصن في مواجهة الهجرة غير النظامية.
إن البحر لن يتوقف عن ابتلاع الأحلام ما دام الأمل داخل اليابسة هشاً. ولن يكون الاستثمار ناجحاً بالكامل إذا لم يتحول إلى كرامة اقتصادية واجتماعية يشعر بها المواطن قبل أن تظهر في المؤشرات والإحصاءات. فالوطن لا يحتاج فقط إلى مشاريع عملاقة، بل يحتاج أيضاً إلى اقتصاد يمنح أبناءه سبباً قوياً للبقاء، ويجعلهم يؤمنون بأن المستقبل يمكن أن يُبنى هنا، لا خلف أمواج البحر.





إرسال تعليق