13% نسبة البطالة… عندما تصطدم التراكمات التنموية بانتظارات الشباب

  • الكاتب : سمير أشقر
  • بتاريخ : يوليو 30, 2026 - 12:03 م
  • الزيارات : 35
  • في الوقت الذي يواصل فيه المغرب تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى، وتسجيل مؤشرات اقتصادية إيجابية على مستوى الاستثمار والبنيات التحتية، تعيد مشاهد محاولات عشرات الشباب اقتحام مدينة سبتة طرح سؤال عميق: لماذا لا يزال بعض الشباب يرى في الهجرة غير النظامية أفقًا أفضل من البقاء في وطنه؟

    لقد كان خطاب العرش الأخير واضحًا حين أكد جلالة الملك محمد السادس أن: “المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا.” وهو تأكيد على أن ما تحقق لم يكن وليد ظرف سياسي عابر، بل ثمرة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، قامت على الاستمرارية وتراكم الإصلاحات، ورسخت مكانة المغرب كفاعل اقتصادي إقليمي ودولي.

    ولم يكتف الخطاب الملكي باستعراض المنجزات، بل أوضح الأساس الذي قامت عليه، حيث أكد جلالة الملك أن “كل ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة توجه استراتيجي واضح، ومذهب في الحكم، يقوم على المبادرة والمتابعة الدقيقة، والنقد الذاتي البناء، والتطلع إلى المستقبل، بكل عزم وروح إيجابية.” وهي رسالة تؤكد أن التنمية ليست مجرد حصيلة ظرفية، بل مشروع دولة متواصل.

    وقد أبرز الخطاب حجم التحولات التي تعرفها المملكة، من خلال تسجيل نسبة نمو بلغت حوالي 4,9%، وتصدر المغرب لصناعة السيارات في إفريقيا، وتطور صناعات الطيران والهيدروجين الأخضر والبطاريات الكهربائية، إلى جانب تحقيق إنجازات غير مسبوقة في السياحة والاستثمار، بما يعزز السيادة الاقتصادية ويكرس مكانة المغرب ضمن الاقتصادات الصاعدة.

    غير أن هذه الإنجازات تجعل سؤال التشغيل أكثر إلحاحًا. فحين تبلغ نسبة البطالة حوالي 13%، ويواصل بعض الشباب المجازفة بحياتهم في محاولات الهجرة غير النظامية، فإن ذلك يفرض التساؤل حول مدى سرعة انتقال ثمار هذه الدينامية الاقتصادية إلى سوق الشغل، وإلى مختلف الفئات الاجتماعية والمجالية.

    وفي هذا السياق، جاء في الخطاب الملكي: “إننا نعيش اليوم، مرحلة فاصلة في المسار التنموي ببلادنا، حيث يجب أن تسود روح الثقة والتفاؤل، على خطابات اليأس والإحباط.” وهي دعوة إلى ترسيخ الثقة في مستقبل البلاد، لكن في الوقت نفسه إلى مضاعفة الجهود حتى تترجم هذه الثقة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن، وخاصة الشباب.

    كما شدد جلالة الملك على مواصلة برامج التنمية البشرية والحماية الاجتماعية، داعيًا إلى “التنزيل الفعال، لبرامج التنمية الترابية المندمجة، التي نحرص على أن تشمل كل المناطق والجهات، دون استثناء.” فالتنمية الحقيقية لا تكتمل إلا عندما تصل آثارها إلى جميع المواطنين، بغض النظر عن مواقعهم الجغرافية أو أوضاعهم الاجتماعية.

    ولم يغفل الخطاب أحد أهم مفاتيح معالجة البطالة، حين دعا القطاع المالي إلى “مواصلة العمل على مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى، وعلى إحداث نقلة نوعية في توسيع الولوج للتمويلات، البنكية وغير البنكية، الموجهة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وللابتكار والتصنيع والتصدير.” فخلق فرص الشغل لا يعتمد فقط على المشاريع الكبرى، بل أيضًا على تمكين المقاولة الوطنية، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتحفيز المبادرات الشبابية.

    كما أكد جلالة الملك أن “الاستقرار اليوم، هو العامل الأساسي في معادلة التنمية، وهو الرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب.” وهو استقرار يشكل قاعدة صلبة لاستقطاب الاستثمار وخلق الثروة، غير أن المحافظة عليه تقتضي أيضًا ترسيخ العدالة الاجتماعية، وتعزيز تكافؤ الفرص، وتوسيع دائرة المستفيدين من ثمار النمو.

    إن قوة المغرب تكمن في وضوح رؤيته الاستراتيجية واستمرارية مؤسساته، لكن نجاح هذه الرؤية يظل مرتبطًا بقدرة الحكومات والإدارات على تسريع تنزيلها ميدانيًا، حتى يشعر بها الشباب في سوق الشغل كما يشعر بها في الطرق والموانئ والمناطق الصناعية. فالهجرة غير النظامية ليست مجرد ظاهرة أمنية، بل هي مؤشر اجتماعي واقتصادي يدعو إلى تسريع وتيرة الإدماج الاقتصادي، حتى يصبح الأمل داخل الوطن أقوى من إغراء الهجرة خارجه.

    وفي هذا الإطار، يكتسب التوجيه الملكي أهمية خاصة، حين أكد أن المرحلة المقبلة، بعد الاستحقاقات التشريعية، ينبغي أن تكون “دورة جديدة في مسارنا التنموي، شعارها تحصين المكاسب، ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى.” وهي رسالة تؤكد أن الحفاظ على المنجزات لا ينفصل عن تحسين أثرها الاجتماعي، وأن نجاح أي مرحلة تنموية سيظل رهينًا بقدرتها على توفير فرص العمل، وترسيخ الكرامة، وتحويل النمو الاقتصادي إلى تنمية يشعر بها كل مواطن في حياته اليومية.