تحول البحر إلى طريق للحج، وتحولت أوروبا، في مخيلة آلاف الشباب المغاربة، إلى أرض مقدسة لا تكتمل الحياة إلا بالوصول إليها. لم تعد مجرد قارة أو وجهة للهجرة، بل أصبحت رمزا للخلاص، ومرادفا للكرامة، والأمل، وبداية حياة جديدة.
لكن لماذا؟
لماذا يتحول مضيق لا يفصل المغرب عن سبتة إلا ببضعة كيلومترات إلى طريق حج جديد، يدفع فيه الشباب حياتهم ثمنا لحلم قد لا يتحقق؟ لماذا يصبح تجاوز سياج عسكري خلاصا؟ لماذا أصبحت قوارب الموت أكثر إقناعا من البقاء على اليابسة؟
في أحد المجالس مع الأصدقاء استمعت إلى نقاش حول حلم الهجرة بين صديق سرغيني الاصل وآخر شمالي وكان أغلب الأصدقاء والصديقات الاخرين مقتنعين بأن الفرق بين الضفتين لا يكمن في المسافة، بل في الحياة نفسها. قال أحدهم:
“إنه جبل واحد سبحان الله، وتراب واحد، لكن خضرة طبيعتهم ليست كخضرة طبيعتنا.”
أصغيت إليهم وأنا أحاول أن أحتكم إلى المنطق. كانت عيناي في كل زيارة لبليونش وغيرها من المناطق الحدودية ترى الحجر نفسه، والتراب نفسه، والنبات نفسه، والسماء نفسها. لكنني أدركت لاحقا أن حديثهم لم يكن عن الطبيعة، بل عن طبيعة الحياة؛ عن الإحساس بالأمل، وعن الفرص، وعن كرامة الإنسان.
اخترت الصمت. ليس لأنني اقتنعت بكل ما قيل، ولا لأنني عجزت عن الرد، بل لأنني كنت أعلم أن القناعات التي تُبنى عبر سنوات من الإحباط لا يغيرها نقاش عابر. كانوا يرون أنني أنظر إلى الوطن بعين العاطفة والانتماء، بينما كنت، وما زلت، أحاول أن أنظر إليه بعين النقد أيضا. فلا أدافع عن واقع يخلو من الاختلالات، ولا أنكر حجم ما يعيشه الشباب من صعوبات. ومن يعرفني قد يقول إنني كثيرًا ما أنظر إلى النصف الفارغ من الكاس، لكنني أعتقد أن الاعتراف بالخلل ليس عداء للوطن، بل هو أول شروط إصلاحه.
نعم كل عام تغادر قوافل من الشباب، وكثير منهم لا يعود. يبتلع البحر أجسادهم قبل أن يمنحهم فرصة الوصول. وينتصر الحزن والالم على احلامهم ويحبس اسرهم في بحر الاحزان.
اليوم لم تعد الهجرة مجرد قرار اقتصادي، بل أصبحت تعبيرا عن أزمة أعمق؛ أزمة ثقة في المستقبل، وفي قدرة الوطن على احتضان أبنائه، وفي إيمان الشباب بأن الاجتهاد والعمل يمكن أن يصنعا مستقبلا داخل بلدهم.
هي أزمة انتقلت من جيل سابق لتستمر مع جيل الشباب بعد ان تلقنها واقتنع أشد القناعة ان الخلاص هناك اما الوطن فهو للمعذبين.برز في ذهني سؤال ظل يلاحقني كثيرا
هل نحن رهبان هل نحن زاهدون متصوفون لأننا ما زلنا نتمسك بالوطن، بينما يرى آخرون أن النجاة لا تكون إلا بالرحيل؟
ثم يبرز سؤال أكثر إلحاحا وهو من المسؤول؟
هل المسؤول هو النظام السياسي؟
أم الحكومات المتعاقبة؟
أم المجالس المنتخبة؟
أم النخب الاقتصادية؟
أم أننا، كمجتمع، نتحمل أيضا جزءا من المسؤولية عندما استسلمنا لفكرة أن الخلاص لا يمكن أن يكون إلا خارج الوطن؟
هل الهجرة السرية مجرد مبادرة فردية، أم أنها نتيجة تراكم طويل من الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟
قد توجد شبكات إجرامية تستغل المهاجرين وتقتات على أحلامهم، لكن وجودها وحده لا يفسر الظاهرة. فالأسباب أعمق من ذلك بكثير. إنها تبدأ عندما يشعر الشاب بأن الأفق مسدود، وأن تكافؤ الفرص أصبح شعارا أكثر من الواقع، وأن جهده ليس كافيا لبناء مستقبل كريم داخل وطنه.
قد اقول ان الهجرة ليست خيانة للوطن، كما أنها ليست بطولة في حد ذاتها. إنها، في كثير من الأحيان، صرخة يأس نحو مشروع حياة. لكنها، في المقابل، تمثل خسارة كبيرة للوطن الذي يفقد كل عام جزءا من شبابه، وهم أغلى ما يملكه أي مجتمع.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نطرحه قبل أن نبحث عن حلول هو:
إذا كان الوطن يخسر أبناءه عاما بعد عام، فمن الذي يربح في النهاية؟
من يستفيذ؟
لا تنتظروا الجواب فأنا هنا أتساءل فقط
حين تصبح الفرص حكرا على القلة والهجرة هي النتيجة، فمن الطبيعي أن نبحث في الأسباب.
أكيد ان الإنسان لا يولد راغبا في مغادرة وطنه، ولا يحمله البحر نحو الضفة الأخرى إلا عندما تضيق به اليابسة بقسوتها.
من هنا يطرح السؤال مختلفا:
لماذا فقد جزء من الشباب ثقته في أن المستقبل يمكن أن يبنى داخل وطنه؟
قد يكون الجواب مركبا، لكن أحد عناصره يكمن في شعور متزايد بأن تكافؤ الفرص لم يعد قاعدة عامة، وأن النجاح لا يعتمد دائما على الكفاءة أو الاجتهاد، بل قد يتأثر أحيانا بالقرب من دوائر النفوذ أو الامتياز.
وهنا يظهر مفهوم الريع.باعتباره امتيازا اقتصاديا، تحول إلى ثقافة سياسية واجتماعية. ثقافة تجعل بعض الفرص حكرا على فئات محددة، بينما يطلب من الأغلبية أن تؤمن بالمنافسة، وهي تشعر بأن نقطة الانطلاق ليست واحدة للجميع.
كلنا كأبناء الهامش نفهم جيدا معنى أن نقطة الانطلاق ليست واحدة لن نختلف في القراءة والتحليل الا مع من يختلف معنا في نقطة الانطلاق .
وفي معاناتنا داخل رحلة الحياة وصولا الى نقطة الشهادة وحدها لا تكفي، وأن العمل الجاد قد لا يضمن له حياة كريمة ولا يضمن حق السكن والصحة هنا يبدأ السؤال يتغير. وتبدأ علاقتنا بالتغيير بين من يحاول تغيير العالم ويتبنى الخطاب الإصلاحي أو الثوري ومن يحاول تغيير ظروفه الخاصة و حياته من يغير الطريق أو الطريقة من يحاول تغيير الوطن.
لم يعد السؤال “كيف أنجح؟”
بل يصبح السؤال:”كيف أغادر؟”
وهنا تتحول الهجرة من حلم إلى مشروع حياة وفي نظري إلى أسلوب فرداني في التغيير
كلما تعقدت الأزمات، ظهر مصطلح يتكرر في النقاشات السياسية:
“الدولة العميقة”.
لكن ما المقصود بها؟
هل هي تنظيم سري يتحكم في كل شيء؟
أم أنها مجرد وصف لشبكات نفوذ تتشكل داخل الدولة وخارجها، وتمتلك قدرة على التأثير في القرار، بغض النظر عن الحكومات التي تأتي وترحل؟
في هذا المقال، لا أستخدم هذا المفهوم باعتباره حقيقة مطلقة، بل باعتباره عدسة تحليلية لفهم استمرار بعض مراكز النفوذ.
ولكي أصف هذه الشبكات، أستعير صورة “فرسان الهيكل”.
ليس لأن هناك علاقة تاريخية بينهم وبين الواقع المغربي، بل لأن هذه الصورة ترمز، في المخيلتي، إلى جماعة تتمتع بالانضباط، والقدرة على التنظيم، والاستمرار عبر الزمن.
فقد يتغير الوزير، ويتغير الحزب، وتتغير الحكومة، لكن بعض دوائر النفوذ تبقى قادرة على التكيف مع كل مرحلة.
ليست بالضرورة أقوى من الدولة ولا يعني أنها اضعف منها، لكنها وبشكل أكيد أكثر قدرة على الاستمرار من الحكومات المتعاقبة.
قد تجد أفرادها في الإدارة،”لست أدري لما استعملت هنا قد ” أو الاقتصاد، أو الاستشارة، أو في مراكز اتخاذ القرار، أو في محيطه.
إنها تصنع الدولة، و تؤثر في كيفية اشتغال بعض مؤسساتها.
وهذا ما يجعل كثيرا من المواطنين يشعرون بأن الانتخابات وحدها لا تغير كل شيء.
وقد بلغت قناعتي هذا الجزء من الحقيقة في لحظة غير متوقعة لاقف واتوقف في لحظة تيهان أراجع الطريق والطريقة .أحاول الجواب أو البحث عن جواب.
في الديمقراطيات الحديثة، يفترض أن يكون مصدر الشرعية هو المواطن.
لكن المواطن يسأل كذلك
وهنا يبدأ الفرق بين السلطة القانونية والسلطة الفعلية.
فقد تمتلك الحكومة صلاحيات واسعة، لكنها تواجه في الواقع ضغوطا اقتصادية، وإدارية، وسياسية، ومؤسساتية تجعل هامش حركتها أكثر تعقيدا. وهذا ما أكده السيد رئيس الحكومة الاسبق عبد الاله بن كيران.
لهذا، فإن اختزال كل المشكلات في الحكومة وحدها، أو في شخص واحد، لا يقدم تفسيرا كافيا. أنا لا اترافع دفاعا عن المتهم “الحكومة” باعتبارها ضحية النسق بل أحاول هدم نظرية كنت أدافع عنها لكوني أدركت جزءا اخر من الحقيقة فالجريمة تابتة لكن التحقيق أفضى إلى أن المتهم المضبوط في حالة تلبس له شركاء زمساهمون ولست هنا لمحاكمة الحكومة بل أحاول بسط تحول في زاوية المعالجتي.
فالسياسة ليست تلك المعادلة البسيطة التي يسهل حلها، بل شبكة معقدة من المصالح والمؤسسات والتوازنات.المترابطة في سينوغرافيا المشهد السياسي.
عودة لسؤال من المسؤول؟
هل المسؤول هو النظام؟
أم الحكومة؟
أم الأحزاب؟
أم الإدارة؟
أم رجال الأعمال؟
أم الإعلام؟
أم المجتمع؟
يكون الخطأ الأكبر هو البحث عن متهم واحد.
فالأزمات الكبرى في المجتمع لا يمكن ان يصنعها طرف واحد، كما أن إصلاحها لا يمكن أن يقوم به طرف واحد.
عندما يفقد الشباب الثقة، لا يكون ذلك نتيجة قرار واحد، بل نتيجة تراكم طويل من الإحباطات، والوعود غير المنجزة، والاختلالات الاقتصادية والاجتماعية.
ولهذا فإن معالجة الهجرة الشرعية وغير الشرعية لا تبدأ عند الحدود الجغرافية، بل تبدأ داخل المدرسة في كل مستوياتها، لتمر عبر الجامعة، وسوق العمل، والإدارة، ومؤسسات العدالة، وكل فضاء يعيد للمواطن ثقته بأن مستقبله يمكن أن يبنى داخل وطنه.حينها فقط ستنخرط الأسرة في علاج الظاهرة.
فالهجرة ليست عبور بحر وانتهت إنها استفتاء صامت يجري كل يوم.
كل قارب يغادر كل شاب وشابة يعبر سباحةً يحمل سؤالا
هل فقد الشباب الأمل في الوطن؟ إذا كان الجواب نعم، فالسؤال الحقيقي ليس لماذا يهاجرون، بل كيف نجعلهم يريدون البقاء؟
لأن الوطن الذي يخسر أبناءه عاما بعد عام لا يخسر فقط قوة عمله، بل يخسر ثقته بنفسه، ويخسر جزءا من مستقبله.
ولعل التحدي الأكبر أمام المغرب ليس فقط الحد من الهجرة غير النظامية، بل بناء مجتمع يشعر فيه الشاب أن مستقبله لا يبدأ عند الضفة الأخرى، بل يمكن أن يبدأ هنا، على هذه الأرض، التي لا ينقصها لا التاريخ، ولا الجغرافية، وإنما تحتاج إلى أن تتسع الفرص فيها بقدر اتساع أحلام أبنائها اتساع السماء.







إرسال تعليق