خطاب العرش 2026.. رؤية دولة ترسم ملامح مغرب السيادة الاقتصادية والثقة في المستقبل بقلم سمير أشقر

  • الكاتب : سمير أشقر
  • بتاريخ : يوليو 30, 2026 - 12:19 ص
  • الزيارات : 190
  • لم يكن خطاب العرش الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى الأمة بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربعه على عرش أسلافه المنعمين مجرد مناسبة دستورية لتقييم حصيلة سنة مضت، بل جاء بمثابة وثيقة استراتيجية ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتحدد أولويات الدولة المغربية في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد. فقد حمل الخطاب رسائل متعددة الأبعاد، امتزج فيها البعد السياسي بالاقتصادي والاجتماعي، في رؤية متكاملة تؤكد أن المغرب اختار الاستمرار في البناء بثبات، بعيدًا عن منطق الارتجال أو التدبير الظرفي.

    منذ الكلمات الأولى، حرص جلالة الملك على تأكيد أن المسؤولية التي يتحملها منذ سبعة وعشرين عامًا لم تكن يومًا بحثًا عن مجد شخصي أو مكانة دولية، وإنما التزام دائم بخدمة المواطن المغربي وتحقيق تطلعاته. هذه الرسالة حملت في طياتها بعدًا إنسانيًا عميقًا، يؤكد أن شرعية الإنجاز لا تقاس بحجم المشاريع فقط، بل بمدى انعكاسها على حياة المواطنين وتعزيز كرامتهم.

    وجاء الخطاب ليؤكد أن المغرب يعيش اليوم مرحلة فاصلة في مساره التنموي، حيث دعا جلالة الملك إلى ترسيخ ثقافة الثقة والتفاؤل في مواجهة خطابات التشكيك والإحباط، معتبرًا أن الأمن والاستقرار اللذين تنعم بهما المملكة يشكلان الرأسمال الحقيقي الذي مكن البلاد من مواصلة الإصلاحات وتحقيق المكتسبات، في وقت تعرف فيه العديد من مناطق العالم أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متلاحقة.

    ولعل أبرز ما ميز خطاب هذه السنة هو التحول الواضح في مفهوم السيادة الوطنية، إذ لم يعد هذا المفهوم مقتصرًا على الجوانب الأمنية والدبلوماسية، بل امتد ليشمل الصناعة والطاقة والغذاء والدواء والتكنولوجيا والأمن السيبراني والصناعات الدفاعية. ويعكس هذا التوجه إدراكًا عميقًا للتحولات التي يشهدها العالم، حيث أصبحت الدول تقاس بقدرتها على الإنتاج والابتكار أكثر من اعتمادها على الأسواق الخارجية.

    ولم يكن استعراض المؤشرات الاقتصادية مجرد عرض للأرقام، بل جاء لتأكيد نجاح الخيارات الاستراتيجية التي انتهجها المغرب خلال السنوات الماضية. فقد سجل الاقتصاد الوطني نسبة نمو بلغت حوالي 4.9 في المائة خلال سنة 2025، مع توقع الحفاظ على هذا النسق خلال سنة 2026، بينما عززت المملكة مكانتها كأول مصدر للسيارات في إفريقيا بطاقة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويًا، كما أصبحت صادرات قطاعي السيارات والطيران تمثل أكثر من أربعين في المائة من إجمالي الصادرات الوطنية، متجاوزة بذلك صادرات الفوسفاط، في مؤشر واضح على التحول العميق الذي يعرفه النسيج الاقتصادي المغربي.

    ولم يتوقف الخطاب عند الصناعات التقليدية، بل سلط الضوء على دخول المغرب مجالات صناعية متقدمة تشمل تصنيع محركات الطائرات وأنظمة الهبوط، إلى جانب تطوير صناعة البطاريات الكهربائية وإطلاق مشاريع الهيدروجين الأخضر، وهي مؤشرات تؤكد أن المملكة تسعى إلى التموقع ضمن الاقتصادات الصناعية ذات القيمة المضافة العالية، استعدادًا للتحولات الكبرى التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

    وفي سياق تعزيز السيادة الاقتصادية، شدد جلالة الملك على أهمية تطوير الصناعات الغذائية والدوائية التي أصبحت تغطي نحو ثمانين في المائة من الحاجيات الوطنية، كما أعلن عن توجه استراتيجي نحو بناء قاعدة صناعية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، بما يعزز استقلالية القرار الوطني ويخلق فرصًا جديدة للاستثمار والتشغيل.

    كما حمل الخطاب رسالة واضحة إلى القطاع المالي الوطني، داعيًا المؤسسات البنكية والمالية إلى لعب دور أكبر في تمويل الاستثمار والإنتاج، وتوسيع الولوج إلى التمويلات لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتشجيع الابتكار والتصنيع والتصدير، مع تعبئة الادخار الوطني ليكون رافعة أساسية لتمويل المشاريع الاستراتيجية، وهو ما يعكس توجهًا نحو الاعتماد على الإمكانات الذاتية في دعم التنمية.

    وعلى الرغم من الطابع الاقتصادي البارز للخطاب، فقد حافظ البعد الاجتماعي على حضوره من خلال التأكيد على مواصلة تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، وتعزيز برامج التنمية البشرية، وتحقيق العدالة المجالية، بما يضمن استفادة مختلف جهات المملكة من ثمار النمو الاقتصادي، ويجعل التنمية أكثر توازنًا وشمولًا.

    سياسيًا، حمل الخطاب رسائل دقيقة تسبق الاستحقاقات التشريعية المقبلة، حيث أكد جلالة الملك أن المكتسبات التي حققها المغرب هي ثمرة تراكمات استراتيجية تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، قبل أن يعلن التطلع إلى إطلاق دورة جديدة من التنمية بعد الانتخابات المقبلة، تقوم على تحصين المكتسبات ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى، في إشارة واضحة إلى أن المرحلة القادمة ستكون مرحلة تسريع التنفيذ أكثر من إطلاق المبادرات.

    أما على المستوى الدولي، فقد أبرز الخطاب المكانة التي بات يحتلها المغرب كشريك موثوق وفاعل اقتصادي يحظى بالاحترام، بفضل سياسة تنويع الشراكات والانفتاح على مختلف القوى الاقتصادية، وهو ما يعزز حضور المملكة داخل سلاسل الإنتاج العالمية ويمنحها قدرة أكبر على التفاوض والدفاع عن مصالحها الاستراتيجية.

    وفي ختام الخطاب، جدد جلالة الملك اعتزازه بمختلف مكونات القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية والإدارة الترابية، تقديرًا لما تبذله من جهود في حماية أمن الوطن واستقراره، قبل أن يستحضر بخشوع أرواح شهداء المغرب الأبرار، وفي مقدمتهم جلالة المغفور لهما محمد الخامس والحسن الثاني، في مشهد يجسد ارتباط مسيرة التنمية بالوفاء للثوابت الوطنية.

    ويؤكد خطاب العرش لسنة 2026 أن المغرب لم يعد يكتفي بإطلاق المشاريع الكبرى، بل دخل مرحلة ترسيخ نتائجها والبناء عليها، في إطار رؤية استراتيجية تجعل من السيادة الاقتصادية، والتصنيع، والابتكار، والتمويل الوطني، ركائز لمغرب جديد أكثر قدرة على مواجهة التحولات العالمية. إنه خطاب يبعث برسالة واضحة مفادها أن المملكة اختارت المضي بثقة نحو المستقبل، مستندة إلى استقرار مؤسساتها، وتراكم إنجازاتها، ورؤية تنموية طويلة المدى تجعل الإنسان المغربي محور كل السياسات والبرامج، وتؤسس لمرحلة عنوانها: مغرب الإنتاج، ومغرب الثقة، ومغرب المستقبل.