المغرب2026 .. حين يختار الشباب البحر على اليابسة.

  • الكاتب : الاعلامي الحسن ولد المسكين
  • بتاريخ : يوليو 31, 2026 - 7:04 م
  • الزيارات : 14
  • حين يختار الشباب البحر على اليابسة,يطرح السؤال..  اين دور وزارة الشباب والثقافة والتواصل في هذه المعادلة؟

    بقلم الاعلامي الحسن ولدالمسكين/مدير تحرير مجموعة النهضة الدولية 

    لم يعد البحر مجرد ماء. صار في صيف 2026 طريقاً، ورسالة، وصرخة جماعية.

    في ليلة واحدة عبر نحو 50 ألف شاب الحدود نحو سبتة، وفي خمسة أشهر فقط وصل 2281 شخصاً، بزيادة تزيد عن 220% عن السنة الماضية. مشاهد السباحة في وضح النهار، والحشود عند السياج، ومقاطع الفيديو التي تنتقل عبر الواتساب أصبحت لغة يومية يفهمها كل من له علاقة بهذا الوطن.

    الشباب لا يغادرون لأنهم يكرهون بلادهم. يغادرون لأنهم لم يجدوا فيها ما يقنعهم بالبقاء.

    في مدن الشمال يصلون إلى الفنيدق بلباس مدني، يتجولون كزوار عاديين، وينتظرون “اللحظة المناسبة”. بعضهم يدفع لقارب صيد ليقربه مئات الأمتار من الساحل، وبعضهم يرتدي بدلة سباحة ليختلط بالمصطافين ويعبر الحاجز البحري. الهدف واحد: الوصول. حتى لو كان الثمن 54 جثة انتشلت من البحر منذ بداية السنة، وحتى لو كانت العودة طوعاً بعد أيام من الجوع والتشرد.

    هذه ليست هجرة فردية تقليدية. هذه ظاهرة جماعية يقودها اليأس قبل الحلم. تحريض رقمي منظم يغري المراهقين والقاصرين، وغياب بدائل حقيقية في الأحياء الشعبية، وتراجع مسارات أخرى مثل الكناري جعل سبتة الوجهة الأقرب والأكثر تداولاً. لكن تحت كل ذلك يوجد سؤال أكبر: أين كنا نحن حين قرر هؤلاء الشباب أن الخطر في البحر أهون من الانتظار على اليابسة؟

    هنا يبرز دور وزارة الشباب والثقافة والتواصل كطرف مباشر في المعادلة، لا كمتفرج. دورها لا يبدأ عند السياج ولا ينتهي ببيان. يبدأ في دار الشباب التي يفترض أنها بيت الشاب الأول. لكن ماذا لو كانت هذه الدار بلا ماء ولا كهرباء ولا تجهيزات ولا ميزانية؟ كيف نطلب من شاب أن يجلس في قاعة مظلمة ليستمع إلى محاضرة بينما هاتفه يعرض له “طريق الحرية” في 14 كيلومتر سباحة؟ كيف نطلب من إطار مساعد قضى 10 سنوات في الميدان ومحبوب من الجميع أن يؤطر ويبدع وهو يُعاقب بالتنقيل لمجرد أنه طالب بإصلاح جدار متصدع؟

    الوزارة اليوم مطالبة بأكثر من تنظيم المخيمات الصيفية. مطالبة بالنزول إلى الشارع، إلى الأحياء، إلى المنصات الرقمية نفسها التي تحرض الشباب. مطالبة بخطاب جديد يخاطب الشاب بلغته، وببرامج استعجالية تعطيه فضاء للإبداع والرياضة والمبادرة قبل أن يبحث عنها في الضفة الأخرى. شش لأنهم خط الدفاع الأول. ومطالبة بإنتاج ثقافي لا يكون مناسباتي، بل يكون يومي، قريب، ويقول للشاب “أنت مهم هنا”.

    الأمن وحده لا يوقف موجة. الغاز المسيل للدموع والحواجز والعودة الطوعية قد تحتوي الأرقام مؤقتاً، لكنها لا تقتل السبب. السبب هو شعور متراكم بأن المستقبل مسدود. وأن صوت المطالب بالإصلاح يعتبر “مشكلاً” بدل أن يكون حلاً.

    الشباب الذين رموا بأنفسهم في البحر لم يكونوا يبحثون فقط عن عمل. كانوا يبحثون عن اعتراف. عن مؤسسة تراهم، عن وزارة تقول لهم “نحن معكم قبل أن تضطروا للمغادرة”.

    وزارة الشباب والثقافة والتواصل مطالبة اليوم أن تتحول من وزارة الأنشطة إلى وزارة الإنقاذ.

    إنقاذ الشباب من اليأس، وإنقاذ دور الشباب من الإهمال، وإنقاذ فكرة أن هذا الوطن ما زال قادراً على احتضان أبنائه.

    لأن الوطن لا يُبنى بسياج محكم فقط. يُبنى بأمل حقيقي، وبماء وكهرباء، وبفضاء مفتوح، وبإطار يشعر بالكرامة. وحين يتوفر ذلك، سيختار الشاب البقاء. وليس السباحة.


    جريدة النهضة الدولية – المملكة المغربية ـ31 يوليوز 2026