سبتة بين أزمة الهجرة وذاكرة السيادة.. رسالة مغربية هادئة إلى مدريد بقلم: سمير أشقر

  • الكاتب : سمير أشقر
  • بتاريخ : يوليو 31, 2026 - 6:28 م
  • الزيارات : 48
  • سبتة، 31 يوليوز 2026

    لم تكن الساعات الأخيرة في سبتة مجرد موجة جديدة من الهجرة غير النظامية. ما جرى أعاد إلى الواجهة، في وقت واحد، ثلاثة ملفات شديدة الحساسية: أمن الحدود، والهجرة، والعلاقة المغربية الإسبانية، إلى جانب سؤال السيادة الذي لم يغادر الذاكرة المغربية يومًا.

    ففي الوقت الذي تصف فيه مدريد ما حدث بأنه أزمة أمنية، وتحدث رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز عن «انتهاك للسلامة الترابية لإسبانيا»، تبدو الصورة من الضفة الأخرى أكثر تعقيدًا. فالمغرب أمام ملف لا يمكن اختزاله في عشرات الآلاف من محاولات العبور، ولا في الحواجز والأسلاك، ولا في عمليات الإعادة.

    الأرقام والمشاهد القادمة من سبتة خلال الساعات الأخيرة تكشف حجم الضغط الذي تعرضت له المدينة، فيما تحدثت السلطات الإسبانية عن عودة أعداد كبيرة من الأشخاص إلى المغرب، وسط استنفار أمني وتعاون مباشر مع السلطات المغربية.

    واللافت أن سانشيز نفسه أقر بأن التواصل مع المغرب كان «مستمرًا وسلسًا ومعقولًا جدًا»، في إشارة واضحة إلى أن مدريد تدرك أن إدارة هذه الأزمة لا يمكن أن تتم بعيدًا عن الرباط.

    وهنا تحديدًا تكمن قوة الموقف المغربي.

    فالمغرب لا يحتاج إلى الدخول في سجال مع إسبانيا، ولا إلى الرد على الخطاب الإسباني بخطاب مماثل. فالعلاقات بين البلدين أكبر من أن تختزلها أزمة عابرة على الحدود. هناك تعاون أمني، ومصالح اقتصادية، وتبادل تجاري، وملفات مرتبطة بالهجرة والإرهاب والجريمة المنظمة، وكلها تجعل الحوار بين الرباط ومدريد ضرورة استراتيجية.

    لكن الدبلوماسية لا تعني أن يتخلى المغرب عن ذاكرته.

    فسبتة، في الوعي والموقف الوطني المغربي، مدينة مغربية محتلة، شأنها في ذلك شأن مليلية والجزر المحتلة، وهذه الحقيقة السياسية والتاريخية تظل حاضرة في وجدان المغاربة، حتى وإن اختلفت المقاربات حول كيفية معالجة هذا الملف.

    ومن هنا، فإن الحديث الإسباني عن «السيادة» يفتح بالضرورة مساحة للتذكير بأن مفهوم السيادة لا يُقرأ من زاوية واحدة، وأن لكل دولة ذاكرتها وقراءتها لتاريخها ومجالها الترابي.

    لكن المغرب الذي يتحدث اليوم يجب ألا يكون مغرب الانفعال.

    لا ينبغي لشاب مغربي أن يغامر بحياته في البحر أو عند الأسلاك بحثًا عن مستقبل أفضل، ولا أن تتحول سبتة إلى بوابة للهجرة أو مسرح للمآسي الإنسانية. فاستعادة الحقوق الوطنية لا تكون بالمغامرات الفردية، وإنما عبر بناء دولة قوية، واقتصاد تنافسي، ومجتمع متماسك، ودبلوماسية قادرة على الدفاع عن المصالح الوطنية بثبات ونَفَس طويل.

    وهنا تأتي الرسالة الأهم إلى الشباب المغربي.

    الشباب الذي حاول الوصول إلى سبتة اليوم ليس بالضرورة شابًا يائسًا من وطنه؛ قد يكون شابًا يبحث عن فرصة لم يجدها بعد. وهذه نقطة ينبغي أن تؤخذ بمنتهى الجدية.

    فإذا كان المغرب يريد أن يغلق أبواب الهجرة غير النظامية بصورة مستدامة، فإن أفضل حاجز ليس الإسمنت ولا الأسلاك، بل فرصة عمل كريمة، وتعليم جيد، وتكوين حقيقي، ومقاولة قادرة على استيعاب الطاقات، وإحساس لدى الشاب بأن المستقبل يمكن أن يُبنى هنا.

    المغرب يعيش اليوم ورشًا تنمويًا واسعًا، ويستثمر في البنية التحتية والصناعة والطاقة والموانئ والمشاريع الكبرى. لكن التحدي الحقيقي يبقى في جعل هذه التحولات محسوسة في حياة المواطن، خصوصًا الشباب.

    فالمشروع التنموي الذي لا يجد فيه الشاب مكانًا له، قد يتحول في نظره إلى صورة بعيدة لا علاقة لها بحياته اليومية.

    وفي المقابل، على أوروبا أن تدرك أن معالجة الهجرة لا يمكن أن تتحول إلى تفويض دائم لدول جنوب المتوسط لحراسة حدودها الخارجية.

    المغرب شريك، وليس مجرد حارس حدود.

    والشراكة الحقيقية تعني الاستثمار في التنمية، وخلق فرص العمل، ودعم مسارات الهجرة القانونية، ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، ومعالجة الأسباب العميقة التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم.

    أما شبكات تهريب البشر، فهي المستفيد الأكبر من هذه المآسي. فهي تحول حلم الشباب إلى تجارة، واليأس إلى أرباح، والحدود إلى سوق مفتوحة للاتجار بالإنسان.

    ومن الخطأ أن يتحول المهاجر نفسه إلى الخصم الرئيسي في هذه المعادلة.

    الخصم الحقيقي هو منظومة الاستغلال التي تقنع شابًا بأن البحر أقرب إلى المستقبل من وطنه.

    أما عودة عدد من المهاجرين طوعًا من سبتة، فهي صورة تختصر المفارقة كلها: الحلم الذي يبدو من بعيد خلاصًا، قد يتحول عند الاقتراب منه إلى صدمة واقع.

    وهنا ينبغي أن نسأل: ماذا بعد العودة؟

    هل يعود هؤلاء الشباب إلى النقطة نفسها التي انطلقوا منها، أم تتحول هذه اللحظة إلى فرصة لإعادة إدماجهم وفتح مسارات جديدة أمامهم؟

    إن العودة الحقيقية المطلوبة ليست فقط عودة الجسد من الحدود، بل عودة الأمل إلى الداخل.

    أما قضية سبتة، فإنها تحتاج إلى نفس طويل، وإلى دولة واثقة من نفسها، لا إلى ردود فعل عاطفية.

    فشباب المغرب قادر على حمل قضايا وطنه، وقادر على بناء قوة اقتصادية وعلمية وثقافية ودبلوماسية تجعل المغرب أكثر تأثيرًا في محيطه. واستعادة الحقوق الوطنية، متى توفرت شروطها السياسية والتاريخية، ستكون ثمرة قوة الدولة وتماسك المجتمع ونجاح الدبلوماسية، لا نتيجة مغامرة فردية على حاجز أو شاطئ.

    ولذلك فإن أقوى رسالة يمكن أن يوجهها المغرب اليوم إلى مدريد ليست رسالة تصعيد، وإنما رسالة ثقة:

    نحن نحترم شراكاتنا، ونحارب الهجرة غير النظامية، ونرفض الاتجار بالبشر، ونؤمن بالحوار والتعاون، لكننا في الوقت نفسه لا ننسى تاريخنا ولا قضايا وطننا.

    سبتة ليست مجرد أزمة حدودية.

    إنها اختبار للعلاقة المغربية الإسبانية، واختبار لسياسات الهجرة الأوروبية، واختبار أيضًا لقدرة المغرب على تحويل طموح شبابه من حلم بالعبور إلى مشروع لبناء المستقبل داخل الوطن.

    وفي النهاية، فإن المغرب القوي لا يحتاج إلى أن يثبت قوته عند الأسلاك.

    يكفي أن يبني وطنًا يجعل شبابه يرون مستقبلهم فيه، وأن يمتلك من القوة والتنمية والدبلوماسية ما يجعل قضاياه الوطنية حاضرة على طاولة التاريخ والسياسة، بثقة، وهدوء، وإصرار.