في كل صيف، تتزين كل المدن المغربية خصوصا الساحلية منها لاستقبال الزوار الباحثين عن الراحة والاستجمام ما يجعل من السياحة الداخلية رافعة قوية للاقتصاد المحلي لهذه المدن ومصدر رزق لآلاف الأسر القاطنة بها. إلا أن مدينة آسفي، وللأسف اختارت أن تستقبل صيف 2026 بالأوراش الكثيرة المتعثرة، والطرق المغلقة دفعة واحدة، والمرافق غير الجاهزة بالكامل، وكأن الموسم السياحي لا يعنيها إطلاقا.
لقد مرت أشهر كثيرة عن الفيضانات التي خلفت أضرارا جسيمة في الأرواح والممتلكات ، جراء ذلك كنا ننتظر جميعا تعبئة استثنائية لإعادة تأهيل المدينة العتيقة ومنتجع رأس الأفعى وباقي المرافق المتضررة. لكن ما وقع هو العكس تماما؛ بطء في الإنجاز، وتأخر في التنفيذ، وغياب لأي إحساس بأن كل يوم يمر دون استكمال الأشغال يعني خسائر اقتصادية مضاعفة وجديدة يمكن ضمها لما سبق من الخسائر.
فمن يتحمل مسؤولية ضياع الموسم السياحي عن المدينة وعن سكانها؟ وهل سيحاسب أحد على هذه الخسائر ، أم أن الأمر سيمر كغيره دون محاسبة أومساءلة؟
لقد دفعت الفنادق على نذرتها، والمطاعم، والمقاهي، والمحلات التجارية، والباعة الصغار، وسيارات الأجرة، وكل من يرتبط رزقه بالحركة السياحية، ثمن هذا التأخر. أما المسؤولون المنتخبون، فما زالوا يختبئون خلف لغة الصور وخلف ميكروفونات بعض المنابر بتصريحات فارغة جوفاء، و خلف الاجتماعات والوعود الكاذبة، في وقت كان فيه المواطن الآسفي ينتظر نتائج ملموسة على أرض الواقع.
المؤسف أن آسفي مدينة لا تفتقر إلى المؤهلات، بل تفتقر إلى تدبير يرقى إلى قيمة مؤهلاتها الكثيرة والمتنوعة . فهي مدينة بتاريخ عريق، وبمدينة عتيقة فريدة من نوعها، وشريط ساحلي مميز بعذريته، ومنتجعات طبيعية خلابة، لكنها تخسر كل ذلك بسبب الأنانية في ترتيب الأولويات، بتسبيق القلاع الانتخابية في كل إصلاح ، وبسبب البيروقراطية القاتلة، وغياب الصرامة في تتبع إنجاز المشاريع المحتشمة .
المسؤولية هنا تجاوزت مسؤولية الطبيعة، إلى مسؤولية من لم يحول هذه الكارثة الطبيعية إلى فرصة لإعادة تأهيل المدينة بالسرعة والفعالية المطلوبة . فالفيضانات كانت حدثا استثنائيا عابرا، أما استمرار آثارها إلى اليوم فهو نتيجة قرارات بشرية خالصة ، وتأخر إداري صرف، وضعف في الحكامة ظاهر للجميع.
اليوم ومع اقتراب الانتخابات، سيعود الجميع لطلب ثقة المواطنين، واستجداء أصواتهم . لكن المواطن من حقه أن يسأل: أين كنتم عندما كانت آسفي تخسر زوارها؟ وأين كانت وعود التنمية عندما كانت المدينة العتيقة ورأس الأفعى ينتظران إعادة ترياق الحياة إليهما؟
آسفي لا تحتاج إلى خطابات جديدة، بل إلى مسؤولين يحترمون الزمن الذي يتجاوز الأرقام في تقويم التنمية ، كما أنه فرص عمل، واستثمارات، وسياح يتضاعفون، وثقة مواطنين تترسخ. ومن أضاع زمن المدينة، فقد أضاع معها فرصتها في النهوض من جديد.
هكذا سرق هذا الصيف عنوة من آسفي ، فليس من الإنصاف أن يترك الفاعلون الاقتصاديون والمواطنون وحدهم يؤدون ثمن هذا الفشل، بينما يغيب أي نقاش جدي حول المسؤولية والمحاسبة. فالمدن لا تتراجع بسبب الكوارث الطبيعية وحدها، وإنما بسبب بطء وضعف من يدير شأنها .





إرسال تعليق