حين يصبح البحر طريقا للوهم … تحديات أمنية وحملات تشويش ممنهجة .

  • بتاريخ : أغسطس 4, 2026 - 9:59 م
  • الزيارات : 60
  • النهضة الدولية- جريدة الكترونية مستقلة شاملة .

    إعداد : المندوب الوطني والدولي محمد البطاح

    ليست مشاهد عشرات الشباب ..
    وهم يلقون بأنفسهم في عرض البحر، على أمل بلوغ مدينة سبتة المحتلة، مجرد صور عابرة تتصدر منصات التواصل الاجتماعي أو نشرات الأخبار، بل هي انعكاس لظاهرة معقدة تتشابك فيها الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والأمنية والقانونية ، وتكشف في الوقت ذاته عن حجم التحديات التي يواجهها المغرب في محيط إقليمي ودولي شديد الحساسية .
    فوراء كل محاولة عبور بحري قصة شاب يحمل طموحا مشروعا في تحسين ظروفه المعيشية ، لكن خلف تلك الطموحات أيضا تقف شبكات إجرامية محترفة ، تجيد استثمار اليأس ، وتحويل الأحلام إلى تجارة مربحة ، أيضا هناك حملات تضليل رقمية تسعى إلى تسويق الوهم ، بل وتوظيف كل حادثة لخدمة أجندات لا علاقة لها بمصلحة الشباب ولا بمستقبلهم .
    لقد أصبحت الهجرة غير القانونية ، في كثير من الأحيان ، ساحة تتقاطع فيها مصالح المهربين ، ومروجي الأخبار الكاذبة ، وبعض الأصوات التي تحاول استغلال أي ظرف لإرباك المشهد أو الإساءة إلى صورة المملكة المغربية ، وهو ما يفرض قراءة هادئة وعميقة تتجاوز الانفعال ، وتنطلق من الوقائع والمعطيات .

    البحر… آخر محطة في رحلة الوهم

    لا يقرر شاب أن يغامر بحياته في عرض البحر بين ليلة وضحاها ، بل يمر غالبا بمراحل من التأثير النفسي والإعلامي ، تبدأ بمقاطع مصورة تظهر أشخاصا تمكنوا من الولوج إلى الضفة الأخرى ، ثم رسائل ومنشورات توحي بأن العبور أصبح سهلا ، وتنتهي بإقناعه بأن المخاطرة أقل كلفة من البقاء .
    وتتولى شبكات الهجرة غير النظامية تغذية هذه القناعة ، عبر نشر معلومات مضللة عن طرق العبور ، وإيهام الراغبين في الهجرة بأن فرص النجاح مرتفعة ، وأن الإجراءات القانونية اللاحقة ستكون في صالحهم ، بينما يتم إخفاء الوجه الآخر للمأساة ، والمتمثل في الغرق ، أو الاختفاء ، أو الوقوع ضحية للاستغلال والاتجار بالبشر ! .
    إن هذه الشبكات لا تتاجر في القوارب أو المسالك البحرية فحسب ، بل تتاجر في الأحلام ، وتستثمر في هشاشة الإنسان ، غير عابئة بما قد يترتب عن ذلك من مآس إنسانية .

    التضليل الرقمي… صناعة الأوهام

    في السنوات الأخيرة ، تحول الفضاء الرقمي إلى أحد أبرز محركات الهجرة غير النظامية . فبضغطة زر تنتشر شائعات عن “تسهيل الدخول”، أو “فتح الحدود” أو “عدم إعادة القاصرين” ، فتصل إلى آلاف الشباب خلال ساعات قليلة .
    وتختلط في هذا الفضاء المعلومات الصحيحة بالمحتوى المضلل ، لتتشكل قناعة زائفة لدى البعض بأن مجرد الوصول إلى سبتة المحتلة كفيل بفتح أبواب أوروبا ، بينما الواقع القانوني أكثر تعقيدا ،  إذ تخضع ملفات الهجرة لإجراءات دقيقة ، واتفاقيات ثنائية ، وتعاون مستمر بين المغرب وإسبانيا في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية .
    إن أخطر ما في هذه الحملات أنها تدفع بعض الشباب إلى اتخاذ قرارات مصيرية استنادا إلى إشاعات ، وليس إلى حقائق .

    عندما تتحول المآسي الإنسانية إلى مادة للتحريض

    ولم تعد بعض الجهات تكتفي بنشر الأخبار المضللة ، بل تحاول استغلال كل حادث مرتبط بالهجرة لإذكاء التوتر ، من خلال تداول مقاطع قديمة على أنها جديدة ، أو تضخيم أحداث معزولة ، أو إخراج صور من سياقها ، أو إطلاق دعوات رقمية تشجع على التجمع ومحاولات العبور الجماعي .
    كما تسعى بعض الأطراف المعادية للمغرب إلى استثمار هذه الوقائع في حملات إعلامية ورقمية تستهدف النيل من صورة المملكة والتشكيك في مؤسساتها ، مستغلة البعد الإنساني لهذه الأحداث لتحقيق مكاسب دعائية وسياسية .
    غير أن مثل هذه المحاولات تصطدم بحقيقة ثابتة ، وهي أن المملكة المغربية  تواجه تحديات الهجرة ضمن محيط إقليمي معقد ، وأنها تعد من أكثر الدول مساهمة في مكافحة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية ، بالتعاون مع شركائها الدوليين ، مع الحرص على احترام القانون وإنقاذ الأرواح .
    إن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى استغلال لمعاناة البشر ، ولا إلى توظيف الشباب في معارك إعلامية لا تخدم سوى مروجي الفوضى وخطابات الكراهية .

    الأمن المغربي … يقظة ميدانية وعمل استباقي

    على امتداد السنوات الماضية ، راكمت مختلف المصالح الأمنية المغربية خبرة كبيرة في مواجهة شبكات الهجرة غير النظامية ، من خلال عمليات استباقية أسفرت عن تفكيك العديد من الشبكات الإجرامية ، وإحباط محاولات جماعية للعبور ، وإنقاذ مرشحين للهجرة من الغرق ، في ظروف غالبا ما تكون بالغة الخطورة .
    ويعكس هذا الجهد عملا يوميا متواصلا تشارك فيه مختلف الأجهزة المختصة بكفاءة عالية ، في إطار مقاربة شاملة لا تقتصر على حماية الحدود ، بل تشمل أيضا محاربة الاتجار بالبشر والتنسيق مع الشركاء الدوليين .

    المغرب… دولة قوية بثوابتها ومؤسساتها

    وأمام كل محاولة لاستغلال هذه الأحداث المؤسفة ، يبرز عامل أساسي ظل يشكل مصدر قوة المملكة ، وهو تماسك الجبهة الداخلية .
    فالمغرب يستند إلى مؤسسة ملكية راسخة تضطلع بدور محوري في قيادة البلاد وتوجيه سياساتها الكبرى ، وإلى مؤسسات دستورية قوية ، وأجهزة أمنية محترفة ، وقوات يقظة أثبتت كفاءتها في مواجهة مختلف التحديات ، وإلى شعب متشبث بوحدته الوطنية وثوابته الجامعة .
    ولهذا ، فإن كل محاولات التشويش أو استغلال بعض الوقائع لتقديم صورة مغايرة عن واقع المملكة تبقى محدودة الأثر أمام قوة المؤسسات ، ووعي المواطنين ، وقدرة الدولة على تدبير الأزمات بثبات ومسؤولية .

    بين المسؤولية والأمل

    إن مواجهة الهجرة غير النظامية لا تتحقق فقط عبر الإجراءات الأمنية ، بل تتطلب أيضا تعزيز التنمية ، وتوسيع فرص الشغل ،  ومكافحة التضليل الرقمي ،     وترسيخ ثقافة الوعي بالمخاطر ،  ، وتجفيف منابع شبكات التهريب .
    وفي المقابل ، تبقى مسؤولية الجميع قائمة ، من الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع المدني ، في حماية الشباب من الوقوع في فخ الوهم ، وترسيخ الثقة في المستقبل داخل الوطن .
    فالمغرب ، الذي يواصل مساره التنموي رغم التحديات ، أثبت مرارا أن قوته لا تكمن فقط في إمكاناته ، بل في تلاحم قيادته ومؤسساته وشعبه ، وفي قدرته على تحويل التحديات إلى فرص ، ومواجهة الحملات المغرضة بالعمل الجاد ، والوعي ، والالتفاف حول الثوابت الوطنية بقناعة تامة .