بقلم: نورالدين ضية
يشكل المال العام أحد أهم مرتكزات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، باعتباره الوسيلة التي تعتمد عليها الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية في تمويل المشاريع والبرامج والخدمات التي تستهدف تحسين ظروف عيش المواطنين. لذلك فإن حسن تدبير هذه الموارد لا يرتبط فقط بحجم الاعتمادات المالية المرصودة، بل بمدى احترام مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بحجم الميزانيات، وإنما بمدى قدرتها على إحداث أثر ملموس ينعكس على حياة المواطنين وتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية.
لقد أصبح موضوع حماية المال العام يحتل مكانة متقدمة في النقاش العمومي، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بثقة المواطن في المؤسسات وبجودة الخدمات العمومية. وتبرز الحكامة المحلية باعتبارها مدخلا أساسيا لحسن تدبير الشأن العام، خاصة مع اتساع اختصاصات الجماعات الترابية ودورها في تنفيذ المشاريع التنموية والخدمات القريبة من المواطنين. غير أن هذا التطور يفرض تعزيز آليات التخطيط والتتبع والتقييم، وضمان احترام القواعد القانونية والتنظيمية المؤطرة للتدبير العمومي.
إن حماية المال العام لا تعني التشكيك في عمل المؤسسات أو الأشخاص، وإنما تعني ترسيخ ثقافة المسؤولية وجعل الشفافية والوضوح والالتزام بالقانون مبادئ أساسية في ممارسة العمل العمومي. فالحكامة الحديثة لا تقوم فقط على مراقبة الاختلالات بعد وقوعها، بل تعتمد كذلك على الوقاية وتقوية آليات التقييم والمراقبة لتحسين جودة التدبير ورفع مستوى النجاعة. وقد جعل الدستور المغربي من الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة من المبادئ الأساسية في تدبير الشأن العام، كما تضطلع مؤسسات الرقابة، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات، بأدوار مهمة في مراقبة طرق تدبير الأموال العمومية وتقييم مدى احترام القوانين والمساطر المعمول بها.
كما أصبحت الرقمنة وتبسيط المساطر الإدارية من بين الأوراش الأساسية لتعزيز الشفافية وتحسين جودة الخدمات العمومية، إلى جانب الحق في الحصول على المعلومات باعتباره آلية تساعد على تعزيز مشاركة المواطنين والاطلاع على المعطيات المرتبطة بتدبير الشأن العام، بما يساهم في بناء علاقة أكثر ثقة بين المواطن والمؤسسات.
وفي هذا الإطار، يبرز دور الإعلام المهني والمجتمع المدني في ترسيخ ثقافة الحكامة وحماية المصلحة العامة، من خلال المساهمة في النقاش العمومي، وتتبع القضايا التي تهم المواطنين، والاعتماد على المعطيات الدقيقة والوثائق الموثوقة، مع احترام الضوابط القانونية وقرينة البراءة. كما تساهم هيئات المجتمع المدني التي تشتغل في مجال المواطنة وحماية المال العام في نشر الوعي بأهمية الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومن بينها الهيئة المغربية لحماية المواطنة والمال العام التي تندرج ضمن الفاعلين المدنيين الساعين إلى تعزيز ثقافة حماية الموارد العمومية والدفاع عن قيم المواطنة والنزاهة، عبر أنشطة التواصل والتحسيس والترافع المدني حول القضايا المرتبطة بالحكامة والمصلحة العامة.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في مراقبة تدبير الموارد العمومية، وإنما في بناء نموذج يجعل النزاهة والشفافية جزءا من ثقافة العمل اليومي داخل مختلف المؤسسات. فحماية المال العام ليست مسؤولية جهاز أو مؤسسة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة ومؤسسات الرقابة والإدارة والمنتخبين والمجتمع المدني والإعلام. وكلما تعززت الحكامة الجيدة، ارتفعت ثقة المواطن في المؤسسات، وأصبح تدبير الموارد العمومية أكثر قدرة على تحقيق التنمية وخدمة الصالح العام.
فالمال العام ليس مجرد اعتمادات مالية، بل هو أمانة مجتمعية تعكس مستوى الحكامة وقوة المؤسسات، وحمايته تظل مدخلا أساسيا لبناء الثقة وتحقيق تنمية مستدامة تخدم حاضر الوطن ومستقبل الأجيال القادمة.





إرسال تعليق