حين تفقد الثقة معناها… ويصبح الوفاء عملة نادرة
بقلم: مصطفى التاقي – جريدة النهضة الدولية
في زمن تتغير فيه المواقف بسرعة، أصبح فقدان الثقة من أكثر الجراح التي يصعب علاجها. فالثقة لا تُبنى بكثرة الكلام، ولا بالوعود المتكررة، وإنما تُبنى بالمواقف الصادقة، وبالوفاء الذي يظهر خصوصاً عندما تتغير الظروف وتتبدل المصالح.
لقد أصبحنا نعيش، مع الأسف، زمناً يختلط فيه الصديق بصاحب المصلحة، والوفي بمن يبحث عن مكسب شخصي. هناك من يقترب منك ما دمت قادراً على تقديم شيء له، وحين تنتهي حاجته إليك، يتغير الخطاب وتتبدل المعاملة، وكأن السنوات والمواقف والجميل المشترك لم تكن موجودة يوماً.
الوفاء ليس كلمة تُقال، بل موقف يُثبت.
والإنسان الوفي لا يحتاج إلى مناسبة حتى يتذكر من وقف إلى جانبه، ولا يغيّر مواقفه بمجرد أن تتغير موازين القوة أو المصالح.
إن أصعب ما يمكن أن يعيشه الإنسان ليس الخلاف، فالخلاف أمر طبيعي بين البشر، وإنما أن يكتشف أن شخصاً منحه ثقته واعتبره قريباً منه، لم يكن يحمل له القدر نفسه من الصدق والوفاء.
ومع ذلك، فإن فقدان الثقة لا يعني أن نفقد ثقتنا في الجميع. بل يعني أن نتعلم أن الثقة تُمنح بقدر، وأن الأفعال وحدها هي التي تمنح الإنسان حق الاحتفاظ بها.
فلا قيمة لعلاقات تقوم على المصلحة فقط، ولا معنى لصداقات تنتهي بمجرد انتهاء الحاجة. أما الوفاء الحقيقي، فيظهر في وقت الشدة، حين لا يكون هناك مقابل، ولا مصلحة، ولا جمهور يشاهد.
وفي النهاية، قد نخسر أشخاصاً بسبب الحقيقة، لكننا لا يجب أن نخسر أنفسنا من أجل إرضائهم.
فالزمن كفيل بكشف الوجوه، والمواقف كفيلة بتمييز الأصيل من العابر، ومن يستحق الثقة ممن كان يبحث فقط عن منفعة مؤقتة.
ويبقى الوفاء قيمة لا يمارسها إلا أصحاب المبادئ، والثقة مسؤولية لا يستحقها إلا من أثبت بالأفعال أنه أهل لها.





إرسال تعليق