النهضة الدولية – جريدة الكترونية مستقلة شاملة.
بقلم: سمير أشقر
لم يعد السؤال اليوم :
هل سيغير الذكاء الاصطناعي حياتنا؟
السؤال الأكثر واقعية هو: متى سيصبح لكل واحد منا وكيل ذكاء اصطناعي شخصي يعرفنا، يفهم أهدافنا، ويتولى جزءاً من أعمالنا نيابة عنا؟
هذا هو المستقبل الذي يتحدث عنه مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة Meta، عندما يتوقع أن يصبح لدى الجميع تقريباً وكيل ذكاء اصطناعي شخصي قادر على فهم صاحبه، ومعرفة ما يهتم به، ومساعدته في تحقيق أهدافه.
نحن هنا أمام تحول يتجاوز فكرة «روبوت الدردشة». فالمساعد التقليدي ينتظر السؤال ثم يقدم الإجابة، أما الوكيل الذكي فيُفترض أن ينتقل إلى مرحلة أكثر استقلالية: يفهم السياق، يخطط، يتخذ خطوات، ويتابع المهمة حتى نهايتها.
بعبارة أبسط: بدلاً من أن تطلب من الذكاء الاصطناعي أن يفعل شيئاً، قد يأتي يوم يعرف فيه ما تحتاج إليه قبل أن تطلبه.
وهنا تبدأ الثورة الحقيقية.
من مساعد رقمي إلى «نسخة ذكية» منك
تخيل صحفياً لديه وكيل شخصي يعرف اهتماماته المهنية، وأسلوب كتابته، وملفات التحقيق التي يعمل عليها، ومصادره، ومواعيد مقابلاته.
قد يبدأ يومه فيجد أن وكيله رتّب الأخبار المهمة، راجع البيانات الجديدة، اقترح أفكاراً للتحقيقات، لخص الوثائق، جهز أسئلة مقابلة، ونظم المواد التي جمعها.
وتخيل صاحب مشروع صغير لا يملك فريقاً كبيراً للتسويق والإدارة.
وكيله الذكي يمكن أن يساعده في تحليل السوق، إعداد خطة تسويقية، متابعة العملاء، تنظيم المواعيد، إعداد التقارير، وحتى اقتراح فرص جديدة.
هذا ليس خيالاً علمياً بعيداً بالضرورة. إنما هو الاتجاه الذي تتسابق شركات التكنولوجيا الكبرى إلى تطويره.
ماذا يعني ذلك للمغاربة؟
بالنسبة للمغرب، يمكن أن يكون هذا التحول فرصة تاريخية إذا أحسنّا التعامل معه.
بلد يضم ملايين الشباب، ونسبة متزايدة من مستخدمي الإنترنت والهواتف الذكية، واقتصاداً يتحول تدريجياً نحو الرقمنة، يمكنه أن يستفيد من وكلاء الذكاء الاصطناعي في مجالات واسعة.
طالب في مدينة صغيرة يمكن أن يحصل على مساعد تعليمي شخصي.
حرفي يمكن أن يجد مساعداً للتسويق وإدارة الطلبات.
مقاول ناشئ يمكن أن يحصل على «فريق رقمي» يعمل معه بتكلفة محدودة.
صحفي يمكن أن يستخدم الوكيل في البحث والتحقق وتحليل الوثائق.
وجماعة ترابية يمكنها استخدام أنظمة ذكية لفهم شكايات المواطنين وتحليل المعطيات واقتراح الحلول.
لكن هناك شرطاً أساسياً: ألا يتحول المغرب من مستهلك للذكاء الاصطناعي إلى مجرد سوق لمنتجات الشركات الأجنبية.
المعركة الحقيقية ستكون في امتلاك المعرفة، والبيانات، والكفاءات، والبنية التحتية، والقدرة على تطوير حلول تفهم اللغة العربية والدارجة والأمازيغية والسياق المغربي.
الصحفي أمام فرصة تاريخية… وخطر حقيقي
بالنسبة للصحفيين، سيكون التأثير عميقاً.
الذكاء الاصطناعي قادر على تسريع البحث، تفريغ المقابلات، تحليل الوثائق، ترجمة المواد، مقارنة التصريحات، اكتشاف التناقضات، وإعداد المسودات الأولية.
لكن هناك خطاً لا ينبغي تجاوزه.
الصحفي ليس آلة لإنتاج النصوص.
قيمة الصحافة الحقيقية ستنتقل أكثر فأكثر إلى القدرة على الوصول إلى المعلومة، والتحقق منها، فهم السياق، طرح الأسئلة الصعبة، حماية المصادر، والنزول إلى الميدان.
قد يصبح إنتاج نص عادي في ثوانٍ أمراً سهلاً جداً.
لكن إنتاج تحقيق موثوق، يكشف الحقيقة ويضعها في سياقها، سيصبح أكثر قيمة.
وهنا المفارقة: كلما أصبح إنتاج المحتوى أسهل، أصبحت الصحافة المهنية أكثر أهمية.
وماذا عن أصحاب المشاريع؟
بالنسبة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، قد يكون الوكيل الشخصي بمثابة موظف رقمي متاح طوال اليوم.
يمكنه تحليل المبيعات، إعداد عروض الأسعار، تنظيم قاعدة العملاء، متابعة المواعيد، إعداد المحتوى التسويقي، مراقبة المنافسين، والمساعدة في اتخاذ القرارات.
وهذا يمكن أن يغير قواعد اللعبة بالنسبة للشباب الذين يريدون إطلاق مشاريعهم دون رأس مال كبير.
فبدلاً من أن يحتاج صاحب المشروع منذ البداية إلى فريق كامل من المحاسبة والتسويق والتواصل والبحث، قد يستطيع بناء جزء من هذا الفريق رقمياً.
لكن التكنولوجيا لن تلغي الحاجة إلى الإنسان.
ستغيّر فقط نوع المهارات التي يحتاجها الإنسان.
الخطر الذي لا يجب أن نغفل عنه
هناك جانب آخر أكثر حساسية.
إذا كان الوكيل الذكي «يفهمك»، فهذا يعني بالضرورة أنه يعرف شيئاً عنك.
كلما زادت قدرته على مساعدتك، احتاج إلى معرفة المزيد عن حياتك وأعمالك واهتماماتك وعلاقاتك.
وهنا يظهر السؤال الأخطر:
من يملك هذه المعرفة؟
ومن يستطيع استخدامها؟
وماذا يحدث إذا أخطأ الوكيل في فهمك؟ أو اتخذ قراراً نيابة عنك؟ أو تعرضت بياناتك للاختراق؟ أو أصبح المستخدم يعتمد عليه إلى درجة يفقد معها جزءاً من قدرته على التفكير واتخاذ القرار بنفسه؟
هذه ليست أسئلة تقنية فقط.
إنها أسئلة قانونية وأخلاقية واقتصادية وسيادية.
نحن أمام بداية عصر جديد
ربما يكون أكبر خطأ أن ننظر إلى حديث زوكربيرغ باعتباره مجرد إعلان جديد من شركة تكنولوجية.
الأمر أكبر من Meta.
Google وMicrosoft وOpenAI وAnthropic وغيرها تتجه جميعاً نحو نماذج أكثر قدرة على تنفيذ المهام، وليس فقط الإجابة عن الأسئلة.
والنتيجة المحتملة هي ظهور طبقة جديدة من التكنولوجيا:
الوكيل الشخصي.
وكيل يعمل من أجلك، يتعلم منك، يتذكر سياقك، ويتعامل مع العالم الرقمي نيابة عنك.
وهنا يمكن أن نعيد صياغة السؤال الذي بدأنا به:
هل اقترب عصر الإنسان الذي يملك نسخة ذكية منه؟
ربما نعم.
لكن السؤال الأهم ليس متى سيصل هذا العصر.
بل: عندما يصل، هل سنكون نحن من يملك الوكيل… أم سنصبح نحن البيانات التي يعمل عليها الوكيل؟
بالنسبة للمغرب، وللصحافة، وللمقاولات، وللشباب تحديداً، فإن الاستعداد لهذا التحول يجب أن يبدأ الآن.
لأن الثورة القادمة في الذكاء الاصطناعي قد لا تكون ثورة في «الإجابة».
بل ثورة في القدرة على الفعل.




إرسال تعليق