وراء شاشة المحمول .. من يحرك خيوط التحريض الرقمي ؟.

  • بتاريخ : أغسطس 12, 2026 - 8:08 م
  • الزيارات : 113
  • النهضة الدولية- جريدة الكترونية مستقلة شاملة.

    إعداد : محمد البطاح

    خلف شاشة المحمول ..
    لم يعد الفضاء الرقمي مجرد مكان لتبادل الآراء والأخبار  ، بل أصبح ساحة مفتوحة للتأثير وصناعة المواقف وتوجيه النقاش العام . وفي هذا الفضاء ، تظهر من حين إلى آخر حملات رقمية تثير التساؤلات حول الجهات التي تقف خلفها ، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها .
    فمنشور واحد ، أو مقطع فيديو مقتطع من سياقه ، أو وسم يبدأ في الانتشار بشكل مفاجئ ، قد يتحول خلال ساعات إلى قضية رأي عام . لكن السؤال الذي غالبا ما يغيب وسط سرعة التفاعل هو : من دفع بهذا المحتوى إلى الواجهة ؟ وهل انتشاره طبيعي فعلا ؟

    عندما يصبح الغضب وسيلة للانتشار

    تعرف منصات التواصل الاجتماعي أن المحتوى المثير للجدل يجذب الانتباه . ولهذا تجد الأخبار الصادمة ، والمعلومات غير الموثوقة ، والرسائل التي تثير الغضب أو الخوف ، طريقها سريعا إلى آلاف المستخدمين .
    وفي بعض الحالات ، لا يكون الهدف تقديم معلومة بقدر ما يكون صناعة رد فعل بشكل عمد .
    وهنا تكمن خطورة التحريض الرقمي ؛ إذ قد يبدأ بمنشور مجهول المصدر ، ثم تتكفل إعادة النشر والتعليقات الغاضبة بمنحه حياة أكبر ، إلى أن يصبح من الصعب التمييز بين حقيقة الحدث وبين الرواية التي صنعت حوله .

    الحسابات المجهولة .. من يكتب ومن يحرك ؟

    تثير الحسابات المجهولة أو حديثة الإنشاء الكثير من علامات الاستفهام ، خصوصا عندما تتحرك عشرات الصفحات والحسابات في الاتجاه نفسه ، وبخطاب متشابه ، وفي توقيت متقارب .
    ولا يعني ذلك بالضرورة وجود حملة منظمة في كل مرة ، لكن تكرار هذه الأنماط يستحق التحقق والتدقيق ، خصوصا عندما يكون المحتوى موجها ضد أشخاص أو مؤسسات أو فئات معينة .
    ففي العالم الرقمي ، ليس كل ما يبدو تفاعلا شعبيا بالضرورة تعبيرا تلقائيا عن رأي عام .

    من الاختلاف إلى الاستقطاب

    المشكلة لا تكمن في اختلاف الآراء ، فالاختلاف جزء طبيعي من أي مجتمع . الخطير هو عندما يتحول الاختلاف إلى تحريض ، والنقد إلى تشهير ، والنقاش إلى خصومة .
    عندها يصبح المستخدم أمام خطاب يقوم على تقسيم الناس إلى “مع” و”ضد” ، ويصور كل رأي مخالف باعتباره عداءا أو خيانة أو مؤامرة .
    وهكذا يتحول الفضاء الرقمي تدريجيا من مساحة للنقاش إلى بيئة تساعد على صناعة الاستقطاب وتوسيع دائرة التوتر .

    المواطن هو خط الدفاع الأول

    مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على عاتق المنصات وحدها . فالمستخدم نفسه يمتلك جزءا كبيرا من الحل .
    قبل مشاركة أي محتوى ، يكفي أن نتوقف لحظة ونسأل : ما مصدره ؟ هل توجد جهة موثوقة تؤكده ؟ هل الصورة أو الفيديو مرتبط فعلا بالحدث ؟ ومن المستفيد من انتشاره ؟! ،
    هذه الأسئلة البسيطة قد تمنع آلاف المنشورات المضللة من الوصول إلى جمهور أوسع .

    الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج

    في زمن أصبحت فيه المعلومة تنتقل في ثوان ، أصبحت المسؤولية أكبر من مجرد الضغط على زر “مشاركة” .
    فكل مستخدم يمكن أن يكون جزءا من نشر الحقيقة ، كما يمكن ، من دون قصد ، أن يصبح أداة في نشر معلومة مضللة أو خطاب تحريضي .
    ولهذا ، فإن الوعي الرقمي لا يعني الامتناع عن التعبير أو الاختلاف ، وإنما يعني أن نعرف متى نتكلم ، وماذا ننشر ، ولماذا ننشره ،
    فخلف كل شاشة قد يوجد رأي صادق ، وقد يوجد أيضا من يبحث عن التأثير في الرأي العام . وبين الاثنين ، تبقى قدرة المواطن على التحقق والتفكير النقدي هي الحاجز الأهم أمام أي محاولة لاستغلال الفضاء الرقمي لصناعة الفتنة أو تضخيم الاستقطاب .  
    و يبقى الوعي الرقمي والتحقق من المصادر والابتعاد عن التسرع في المشاركة أفضل خط دفاع أمام أي محاولة لاستغلال الفضاء الرقمي للتضليل أو التحريض أو صناعة الانقسام داخل المجتمع .