المغرب في ذيل التصنيفات التعليمية: حين نطالب بالنتيجة وننسى شروط النجاح

  • الكاتب : عبدالهادي بودى
  • بتاريخ : أغسطس 14, 2026 - 6:18 م
  • الزيارات : 68
  • هل الأستاذ وحده مسؤول عن تراجع التعليم؟

    كلما ظهرت نتائج تعليمية غير مشرفة، وكلما احتل المغرب مرتبة متأخرة في أحد التصنيفات الدولية، تبدأ عملية البحث عن المسؤول.

    وفي كثير من الأحيان، تكون الإجابة جاهزة: الأستاذ!
    لكن هل يعقل أن نحمل الأستاذ وحده مسؤولية منظومة تعليمية كاملة؟

    الأستاذ مسؤول، نعم. والمدير مسؤول، والإدارة مسؤولة، والوزارة والحكومة مسؤولتان، والأسرة مسؤولة، والتلميذ مسؤول بحسب سنه وقدرته.

    المشكلة تبدأ عندما نختار طرفا واحدا ونطلب منه أن يعوض تقصير باقي الأطراف.

    ● مفارقة مؤلمة: نريد النتائج… ولكن هل نوفر شروطها؟

    من أكثر الظواهر التي تستحق الوقوف عندها، من داخل الميدان التربوي، أن هناك فئة من الأسر تطالب بنتائج مرتفعة لأبنائها، لكنها لا تتابع دائما الشروط اليومية التي تؤدي إلى تلك النتائج.

    ● نريد من المدرسة أن ترفع مستوى الطفل.

    لكن هل نسأل أولا:
    _ هل يحضر الطفل إلى المدرسة بانتظام؟
    _ هل يصل في الوقت المحدد؟
    _ هل ينجز واجباته؟
    _ هل يقرأ في البيت؟
    _ هل يراجع دروسه؟
    _ هل يحضر حصص الدعم؟
    _ هل تتواصل الأسرة مع الأستاذ؟
    _ هل يحضر ولي الأمر عندما تستدعي المؤسسة ذلك لمناقشة وضعية ابنه؟
    _ هل تتعاون الأسرة مع المدرسة لمعالجة التعثرات؟

    هذه ليست أسئلة ثانوية.
    إنها جزء من العملية التعليمية نفسها.
    النتيجة لا تأتي من المدرسة وحدها
    لا يمكن أن نطلب من الأستاذ أن يحقق نتيجة ممتازة مع تلميذ لا يحضر بانتظام، ولا ينجز واجباته، ولا يراجع دروسه، ولا يستفيد من الدعم، ولا يجد متابعة أسرية منتظمة.
    ▪︎ الأستاذ يستطيع أن يقدم المعرفة.
    ▪︎ ويستطيع أن يقدم الدعم.
    ▪︎ ويستطيع أن ينبه إلى التعثر.
    ▪︎ ويستطيع أن يقترح حلولا.

    ○ لكن لا يستطيع أن يعيش مكان الأسرة.
    ○ ولا يستطيع أن ينتقل إلى منزل كل تلميذ ليتأكد من إنجاز واجباته.
    ○ ولا يستطيع أن يراقب ساعات استخدام الهاتف.
    ○ ولا يستطيع أن يجبر الطفل على القراءة مساء.

    هناك حدود لما تستطيع المدرسة فعله، وهناك مسؤوليات تبدأ داخل البيت.

    ● وماذا عن الواجبات المنزلية؟

    من الأخطاء التي ينبغي أن نتوقف عندها أيضا، تحويل الواجب المنزلي إلى قضية ثانوية.

    فالواجب المنزلي، عندما يكون مناسبا لسن المتعلم ومستواه، ليس عقوبة، وإنما أداة لترسيخ التعلم والتدرب والاستقلالية.

    والتلميذ الذي لا يتدرب خارج القسم، خصوصا في القراءة والكتابة والحساب، يحتاج إلى وقت وممارسة حتى يثبت التعلمات.

    ● لكن ماذا يحدث عندما لا ينجز التلميذ واجبه؟

    هنا لا ينبغي أن يكون الحل بالصراخ أو الإهانة أو العقاب البدني، فهذا مرفوض تربويا.

    لكن التعامل البيداغوجي مع عدم إنجاز الواجب أمر ضروري.

    يمكن للمدرس أن يبحث عن السبب، ويعيد شرح المطلوب، ويضع خطة للمواكبة، ويشرك الأسرة، ويطلب حضور ولي الأمر عند تكرار المشكلة، ويضع إجراءات تربوية مناسبة تشجع على تحمل المسؤولية.

    • المطلوب ليس العقاب من أجل العقاب.
    • المطلوب أن يفهم الطفل أن للتعلم التزامات، وأن الواجبات جزء من هذه الالتزامات.

    ● متى يصبح حضور ولي الأمر ضرورياً؟

    عندما تلاحظ المدرسة أن التلميذ يتعثر باستمرار، أو يغيب كثيرا، أو لا ينجز واجباته، أو لا يستفيد من الدعم، أو يظهر عليه تراجع واضح، أو يمثر الشغب في القسم والساحة فإن استدعاء ولي الأمر ليس استهدافا للأسرة.
    إنه طلب للشراكة.

    ● المدرسة تريد أن تقول للأب والأم:

    “هذه هي وضعية ابنكم.”

    “هذه هي نقاط قوته.”

    “وهذه هي صعوباته.”

    “وهذه هي التعثرات التي نلاحظها.”

    “وهذه هي الإجراءات التي نقترحها.”

    “ونحتاج إلى تعاونكم داخل البيت.”

    لكن المشكلة تبدأ عندما يستدعى ولي الأمر ولا يأتي، أو يحضر دون استعداد للتعاون، ثم يعود لاحقا ليسأل:

    ● لماذا لم يحصل ابني على نتيجة أفضل؟

    هنا يجب أن نكون صريحين:

    النتيجة التعليمية لا يمكن أن تكون مطلبا أحاديا، بينما المسؤولية اليومية تبقى أحادية الاتجاه نحو المدرسة.

    لا يكفي أن نسأل: لماذا حصل ابني على هذه النقطة؟

    السؤال الأكثر أهمية هو:

    1 ) ماذا فعلنا للوصول إلى النقطة التي نريدها؟
    2) هل تابعنا الحضور؟
    3) هل تابعنا الواجبات؟
    4) هل وفرنا وقتا للقراءة؟
    5) هل قللنا من الملهيات؟
    6) هل حضرنا لقاءات المؤسسة؟
    7) هل استجبنا لاستدعاءات الأستاذ؟
    8) هل تعاونّا في خطة علاج التعثر؟

    إذا كانت الإجابة بالنفي، فلا يمكن أن نطالب المدرسة وحدها بتحقيق المعجزة.

    الرياضة ليست عدوا للتعليم
    ولابد هنا من التأكيد: لسنا ضد الرياضة.
    كرة القدم والسلة واليد وغيرها من الأنشطة ضرورية لنمو الطفل وتوازنه.
    لكن عندما يكون الطفل متعثرا دراسيا، وتوفر له المؤسسة حصة دعم لمعالجة تعثره، ثم تتكرر غياباته عنها بسبب نشاط آخر، فإن السؤال المشروع يصبح:

    ● كيف ننتظر تحسن المستوى إذا لم نحضر أسباب التحسن؟

    هذه ليست حربا بين الرياضة والتعليم.
    إنها مسألة ترتيب أولويات حسب حاجات الطفل.

    فالطفل المتفوق يحتاج إلى تطوير قدراته، والمتعثر يحتاج أولا إلى معالجة تعثراته، والاثنان معا يحتاجان إلى الرياضة والنشاط والتوازن النفسي.

    ▪︎ الأسرة ليست مراقبا للنتيجة… بل شريكا في صناعتها

    هذه ربما هي النقطة الأكثر أهمية.
    بعض الأسر تتعامل مع المدرسة وكأنها مؤسسة تقدم خدمة، والأسرة تنتظر في نهايتها النتيجة.
    لكن التربية ليست خدمة تسلَّم للزبون عند نهاية السنة.

    • التربية شراكة.
    • الأب والأم شريكان.
    •الأستاذ شريك.
    •الإدارة شريك.
    •والطفل نفسه شريك.

    ولهذا فإن الأسرة التي تريد نتيجة أفضل لابنها مطالبة بأن تكون جزءا من الطريق المؤدي إلى تلك النتيجة.
    ▪︎ من حق الأسرة أن تطالب… ومن واجبها أن تساهم
    ▪︎ من حق الأب أن يسأل الأستاذ عن مستوى ابنه.
    ▪︎ ومن حق الأم أن تطلب توضيحاً حول التعثر.
    ▪︎ ومن حق الأسرة أن تطالب بجودة التعليم.

    لكن في المقابل، من حق المدرسة أن تسأل الأسرة:

    • هل يتابع ابنكم واجباته؟
    • هل يحضر بانتظام؟
    • هل يقرأ في البيت؟
    • هل يستفيد من الدعم؟
    • هل تتابعون دفتره؟
    • هل تستجيبون لاستدعاءات المؤسسة؟
    • هل طبقتم التوجيهات المتعلقة بمعالجة التعثر؟

    هذا ليس تدخلا في شؤون الأسرة.

    إنه جزء من الشراكة التربوية.
    من داخل الميدان: لا يمكن صناعة النتيجة بالإرادة وحدها

    بعد سنوات طويلة من العمل في التعليم والتدريس والإشراف الإداري، تتضح حقيقة بسيطة:

    1) لا يمكن للأستاذ أن يصنع النجاح وحده.
    2) ولا يمكن للمدير.
    3) ولا يمكن للأسرة.
    4) ولا يمكن للوزارة.

    النجاح نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل.

    _ فإذا غاب الحضور، ضعفت فرص التعلم.
    _ وإذا غابت المراجعة، ضعفت فرص التثبيت.
    _ وإذا غاب الواجب، قلت فرص التدريب.
    _ وإذا غاب الدعم، استمر التعثر.
    _ وإذا غابت الأسرة، ضعفت المتابعة.
    _ وإذا لم تستجب المدرسة للتعثر، ضاعت فرص العلاج.

    إذن نحن أمام منظومة مترابطة.

    ●السؤال الذي يجب أن نطرحه قبل محاسبة الأستاذ؟

    قبل أن نقول:

    “لماذا لم ينجح ابني؟”

    علينا أن نسأل:

    “هل قمنا بكل ما نستطيع حتى ينجح؟”

    وقبل أن نقول:

    “الأستاذ لم ينجح في رفع مستوى ابني.”

    علينا أن نسأل:

    “هل حضر ابني بانتظام؟ هل أنجز واجباته؟ هل قرأ؟ هل استفاد من الدعم؟ هل تعاونت الأسرة مع المدرسة؟”

    ثم بعد ذلك فقط تبدأ المحاسبة العادلة.

    _ التعليم مسؤولية جماعية… وليس ورقة نتائج
    _ إنقاذ التعليم لا يكون بجلد الأستاذ.
    _ ولا يكون بتبرئة المدرسة.
    _ ولا يكون بتحميل الحكومة وحدها كل شيء.
    _ ولا يكون بإعفاء الأسرة من مسؤوليتها.

    بل يبدأ من الاعتراف بالحقيقة:

    كل طرف له مسؤولية، وكل طرف يجب أن يتحمل نصيبه منها.

    1) الدولة تضع السياسات وتوفر الموارد.

    2) الحكومة تُحاسب على نتائج اختياراتها وإصلاحاتها.

    3) الإدارة تدبر وتواكب.

    4) الأستاذ يعلم ويقوّم ويدعم.

    5) الأسرة تتابع وتربي وتحفز وتتعاون.

    6) والتلميذ يجتهد ويلتزم بحسب سنه وقدراته.

    عندها فقط يصبح من حقنا أن نطالب بالنتائج.

    أما أن نطالب بالنتيجة ونترك شروطها، ثم نبحث عن شخص نحمله المسؤولية، فذلك ليس إصلاحاً.

    إنه هروب من أصل الداء.

    ● ولعل السؤال الأكثر عدلاً الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس:

    «أين أخطأ الأستاذ؟»

    بل:

    «أين أخطأنا جميعا؟»

    لأن المدرسة لا تستطيع أن تزرع وحدها، والأسرة لا تستطيع أن تحصد وحدها.

    التعليم شجرة؛ الدولة توفر تربتها، والمدرسة تسقيها، والأسرة ترعاها، والتلميذ ينمو فيها… وإذا أهمل أحد هذه الأدوار، فلا يجوز أن نطالب الشجرة وحدها بأن تثمر.