المراسل والمصور والصحافي الحر… أين نحن من انتخابات المجلس الوطني للصحافة؟

  • الكاتب : سمير أشقر
  • بتاريخ : أغسطس 18, 2026 - 12:40 م
  • الزيارات : 119
  • في خضم الجدل المتصاعد حول انتخابات المجلس الوطني للصحافة، وما رافقه من نقاش حول مديري النشر والناشرين وملكية الأسهم، يبدو أن هناك سؤالاً آخر أكثر عمقاً لم يأخذ حقه من النقاش: أين يوجد المراسل الصحفي؟ وأين يوجد المصور الصحفي؟ وأين يقف الصحافي الذي اختار أن يمارس المهنة بشكل حر «Freelance»؟
    هذا السؤال ليس هامشياً، ولا يتعلق بفئة تبحث عن امتياز خاص، وإنما يتعلق بجوهر العدالة المهنية، وبمدى قدرة الانتخابات المقبلة على إنتاج مجلس يمثل فعلاً مختلف مكونات الجسم الصحفي المغربي.
    فحين نتحدث عن المجلس الوطني للصحافة، فإننا لا نتحدث عن مؤسسة عادية، بل عن مؤسسة يفترض أن تكون عنواناً للتنظيم الذاتي للمهنة، وحامية لأخلاقياتها، ومدافعة عن حقوق الصحافيين، وممثلة لمختلف مكونات القطاع.
    ولهذا فإن أول سؤال يجب أن يطرح قبل الحديث عن النتائج هو: من يحق له أصلاً أن يكون جزءاً من هذه العملية الانتخابية؟
    القانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين لم يحصر الصحافة في الصحافي الذي يجلس داخل هيئة تحرير ويتقاضى أجراً شهرياً من مؤسسة إعلامية بعقد قار. فقد اعترف القانون بأشكال مختلفة من ممارسة المهنة، ومن بينها الصحافي الحر.
    وهذه نقطة جوهرية.
    فالعمل بنظام «Freelance» لا يعني، في حد ذاته، أن صاحبه ليس صحافياً. المعيار هو توفر الشروط التي حددها القانون لممارسة المهنة وإثبات الصفة المهنية، وليس مجرد وجود عقد عمل قار.
    وهنا يجب أن نتوقف قليلاً.
    واقع الصحافة المغربية تغير. هناك صحافي يشتغل مع مؤسسة واحدة، وهناك من يتعامل مع أكثر من منبر، وهناك مراسل جهوي، وهناك مصور صحفي، وهناك صحافي مستقل ينتج التحقيقات والروبورتاجات والتغطيات ويقدمها لمؤسسات إعلامية مختلفة.
    كل هؤلاء يعيشون واقعاً مهنياً مختلفاً، لكن اختلاف الوضعية المهنية لا يعني بالضرورة اختلاف الحق في الاعتراف المهني متى توفرت الشروط القانونية.
    أما المصور الصحفي، فالمشرع كان واضحاً في هذا الجانب. فالمادة الثانية من القانون رقم 89.13 أدرجت المصورين الفوتوغرافيين والمصورين بالميدان التلفزي ضمن الفئات التي يشملها النظام الأساسي للصحافيين المهنيين.
    وهذا أمر مهم جداً.
    فالمصور الصحفي ليس مجرد شخص يحمل آلة تصوير خلف الصحافي.
    الصورة الصحفية في كثير من الأحيان هي الخبر نفسه، وهي الوثيقة التي لا يمكن تزويرها بالكلمات، وهي التي تحفظ لحظة من التاريخ وتضعها أمام الرأي العام.
    المصور يوجد في قلب الحدث، ويتعرض للمخاطر نفسها، ويعمل في الظروف نفسها، ويتحمل مسؤولية مهنية وأخلاقية في اختيار ما يوثقه وكيف يقدمه.
    فإذا كان القانون قد اعترف به ضمن منظومة الصحافيين المهنيين، فإن السؤال المشروع هو: هل انعكس هذا الاعتراف القانوني فعلاً على اللوائح الانتخابية؟
    ثم نأتي إلى المراسل الصحفي.
    المراسل قد لا يكون موظفاً داخل المؤسسة الإعلامية، وقد لا يجلس في مكتب مركزي، لكنه يوجد حيث يوجد الخبر.
    في المدن والأقاليم والمناطق البعيدة، المراسل هو الذي يصل إلى الحدث قبل الجميع، وينقل معاناة المواطنين، ويتابع الأنشطة المحلية، ويوثق الحوادث، ويبحث عن المعلومة، ويربط المؤسسة الإعلامية بالواقع.
    وفي كثير من الحالات، يعمل المراسل في ظروف صعبة، وبإمكانيات محدودة، ودون استقرار مهني حقيقي.
    وهنا يطرح السؤال نفسه:
    هل عدم وجود عقد عمل قار يعني تلقائياً أن المراسل ليس صحافياً؟
    الجواب يجب ألا يكون إدارياً أو مزاجياً.
    إذا كان الشخص يستوفي الشروط القانونية للصفة المهنية، فإن وضعه كصحافي حر أو مراسل لا ينبغي أن يتحول إلى سبب غير منصوص عليه لإقصائه من حقوقه المهنية.
    لكن في المقابل، يجب أن نكون واضحين أيضاً: ليس كل من يكتب منشوراً على مواقع التواصل الاجتماعي صحافياً مهنياً، وليس كل من يحمل كاميرا مصوراً صحفياً بالمعنى القانوني.
    هناك شروط قانونية، وهناك بطاقة مهنية، وهناك قواعد لإثبات الصفة.
    وهنا تحديداً يجب أن تكون اللجنة المؤقتة واضحة.
    ما هي المعايير التي اعتمدتها في التعامل مع الصحافي الحر؟
    ما هي الوثائق التي يطلبها من لا يتوفر على عقد عمل قار؟
    كيف يتم إثبات ممارسة الصحافة بالنسبة إلى الصحافي المستقل؟
    كيف تم التعامل مع المراسلين؟
    وكيف تم تصنيف المصورين الصحفيين؟
    وهل تم تطبيق معيار واحد على جميع الحالات المتشابهة؟
    هذه الأسئلة ليست اتهاماً لأحد.
    إنها أسئلة ضرورية لأننا أمام انتخابات مؤسسة مهنية يفترض أن تقوم على المساواة والشفافية.
    فاللجنة المؤقتة مطالبة، قبل غيرها، بأن تجعل معاييرها مفهومة للجميع.
    إذا تم قبول شخص، فلماذا؟
    وإذا تم رفض شخص، فلماذا؟
    وإذا تم إقصاء صحافي من اللائحة، فما هو النص القانوني الذي استند إليه قرار الإقصاء؟
    وهنا تظهر أهمية القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، إلى جانب القانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين، باعتبارهما من أهم المرجعيات القانونية للعملية الحالية.
    القانون لا ينبغي أن يكون مجرد عنوان يوضع في مقدمة القرارات.
    القانون يجب أن يظهر في التطبيق.
    والأخطر من ذلك هو أن تختلف المعايير من شخص إلى آخر.
    إذا كان امتلاك الأسهم مثلاً يؤثر على صفة شخص ما، فيجب أن يكون هناك نص واضح يحدد متى وكيف ولماذا.
    وإذا كان عدم وجود عقد عمل يؤثر على وضع الصحافي الحر، فيجب أن يقدم السند القانوني لذلك.
    وإذا كان مدير النشر يوضع في فئة معينة، فيجب أن يكون التصنيف مبنياً على النص وليس على التأويل.
    وإذا كان المصور أو المراسل له وضع مهني محدد، فيجب أن يعرف هذا الوضع بوضوح.
    لأن المشكلة ليست في وجود اختلاف بين الصحافيين.
    المشكلة تبدأ عندما يصبح المعيار القانوني نفسه قابلاً للتغيير من حالة إلى أخرى.
    وهناك مسألة أخرى تستحق كثيراً من التدقيق، وهي بطاقة الصحافة المهنية لسنة 2025.
    صحيح أن المادة 8 من القانون رقم 89.13 تحدد مدة صلاحية بطاقة الصحافة المهنية في سنة واحدة، وأن التنظيم المرتبط بها يحدد نطاق صلاحيتها.
    لكن من الناحية القانونية، لا يكفي أن نقول إن بطاقة 2025 انتهت صلاحيتها، ثم نقفز مباشرة إلى نتيجة أن انتخابات 2026 باطلة.
    هناك فرق بين انتهاء مدة بطاقة معينة، وبين كيفية إعداد اللوائح الانتخابية، وبين شروط الترشح، وبين الآثار القانونية لأي خلل محتمل على العملية الانتخابية برمتها.
    وهذا الفرق مهم.
    لأن الطعن أمام القضاء الإداري لا يقوم على الشعارات، وإنما على النصوص، والوقائع، والاختصاص، والإجراءات، ومدى تأثير المخالفة على سلامة العملية الانتخابية.
    لذلك يجب أن يكون النقاش هادئاً، قوياً، ودقيقاً.
    لا نريد انتخابات تُبنى على التأويلات.
    ولا نريد صحافياً يُقصى لأنه يعمل حراً.
    ولا نريد مصوراً يكتشف يوم الاقتراع أن صفته المهنية لا تمنحه الحق الذي كان يعتقد أنه مكفول له.
    ولا نريد مراسلاً أمضى سنوات في الميدان ثم يجد نفسه خارج المؤسسة التي يفترض أنها تمثل الصحافيين.
    وفي المقابل، لا نريد أيضاً فتح الباب أمام من لا يستوفي الشروط القانونية تحت ذريعة توسيع التمثيلية.
    الحل ليس في الإقصاء، كما أنه ليس في الفوضى.
    الحل في تطبيق القانون بوضوح، وبالمعيار نفسه، وعلى الجميع.
    المجلس الوطني للصحافة المقبل لن تكون قوته بعدد الأصوات التي حصل عليها فقط، وإنما بمدى الثقة التي سيحظى بها لدى الصحافيين.
    والثقة تبدأ من اللائحة.
    من حق كل صحافي أن يعرف لماذا أدرج اسمه.
    ومن حق كل صحافي أن يعرف لماذا لم يدرج.
    ومن حقه أن يعرف النص الذي استند إليه القرار.
    ومن حقه أن يتظلم وأن يطعن وفق المساطر القانونية.
    هذه ليست مطالب استثنائية.
    هذه أبسط قواعد العدالة المهنية.
    إن المراسل ليس رقماً هامشياً.
    والمصور الصحفي ليس مجرد تابع.
    والصحافي الحر ليس صحافياً من الدرجة الثانية.
    كل واحد منهم يمكن أن يكون جزءاً أصيلاً من الجسم الصحفي، متى استوفى الشروط القانونية للصفة المهنية.
    ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يظل مطروحاً بقوة قبل 15 شتنبر 2026 ليس فقط:
    من سيفوز في انتخابات المجلس الوطني للصحافة؟
    بل السؤال الأهم:
    هل كل صحافي مهني مستوفٍ للشروط القانونية وجد مكانه في هذه الانتخابات؟
    لأن شرعية أي مؤسسة مهنية لا تبدأ يوم إعلان النتائج.
    شرعيتها تبدأ من الطريقة التي أُعدت بها اللوائح، ومن المعايير التي اعتمدت، ومن المساواة في تطبيق القانون، ومن احترام حق كل مهني في معرفة سبب قبوله أو رفضه.
    وإذا كان الهدف هو بناء مجلس وطني للصحافة يستعيد ثقة الجسم الصحفي، فعلينا أن نبدأ من السؤال الذي قد يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة جوهر القضية:
    المراسل، والمصور، والصحافي الحر… من يمثلهم؟ ومن يضمن حقهم؟ وأين يوجد مكانهم داخل المجلس الوطني للصحافة؟
    فالصحافة ليست فقط من يملك مؤسسة، ولا فقط من يدير هيئة تحرير.
    الصحافة أيضاً من ينزل إلى الميدان، ومن يحمل الكاميرا، ومن يبحث عن الحقيقة، ومن يعمل باستقلالية، ومن يجعل من الكلمة والصورة وسيلة لخدمة المجتمع.
    وهؤلاء أيضاً لهم حق أن يكون لهم صوت.