تظل مدينتا سبتة ومليلية من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، ليس فقط باعتبارهما مدينتين تقعان على التراب الإفريقي، وإنما لما تختزنه قضيتهما من أبعاد تاريخية وسياسية واستراتيجية تتجاوز حدود البلدين لتلامس علاقة المغرب بجواره الأوروبي وتفاعلات المجتمع الدولي مع قضايا السيادة والتراب.
فالمغرب يعتبر سبتة ومليلية جزءاً من ترابه الوطني، ويؤكد في مختلف المناسبات أن وضع المدينتين لا يمكن فصله عن السياق التاريخي والجغرافي الذي يجمع المغرب بإسبانيا. وفي المقابل، تتمسك إسبانيا بإدارتهما باعتبارهما مدينتين إسبانيتين، وهو ما يجعل الملف حاضراً، بدرجات متفاوتة، في النقاش السياسي والدبلوماسي بين الرباط ومدريد.
غير أن واقع العلاقات المغربية الإسبانية عرف خلال السنوات الأخيرة تحولاً مهماً، انتقلت معه العلاقة بين البلدين من مراحل التوتر إلى التعاون والحوار، خصوصاً في ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد ومكافحة الجريمة المنظمة. وقد ساهم هذا التقارب في خلق مناخ جديد للتعامل مع الملفات العالقة، ومنها قضية سبتة ومليلية، ولو دون أن يعني ذلك حسم الموقف النهائي بشأن السيادة.
وتكتسي المدينتان أهمية استراتيجية كبيرة بحكم موقعهما في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، وقربهما من الأراضي المغربية، فضلاً عن ارتباطهما بحركة تجارية وبشرية واسعة مع محيطهما المغربي.
أما على المستوى الدولي، فإن قضية سبتة ومليلية لا تحظى بنفس الحضور الذي تحظى به بعض النزاعات الإقليمية الأخرى، كما أن المواقف الدولية الرسمية غالباً ما تتعامل معها في إطار العلاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا، دون الدخول في مواجهة مباشرة حول مسألة السيادة.
وبعيداً عن الخطابات الانفعالية، فإن معالجة هذا الملف تتطلب نفساً سياسياً ودبلوماسياً طويلاً، يقوم على الحوار واحترام المصالح المتبادلة، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية المغربية. فالقضايا المرتبطة بالسيادة والتراب الوطني تحتاج إلى رؤية استراتيجية توازن بين التشبث بالحقوق التاريخية والقانونية وبين بناء علاقات قوية ومستقرة مع الجوار.
إن سبتة ومليلية ليستا مجرد نقطتين على الخريطة، بل هما جزء من ذاكرة تاريخية وجغرافية معقدة، وملف سيظل حاضراً في الوعي المغربي وفي العلاقات المغربية الإسبانية.
ويبقى الرهان الحقيقي هو أن يتحول هذا الملف، مستقبلاً، من مصدر محتمل للتوتر إلى موضوع للحوار السياسي الهادئ، بما يخدم الاستقرار الإقليمي ويحفظ للمغرب حقه في الدفاع عن قضاياه الوطنية بالوسائل الدبلوماسية والقانونية المشروعة.
مصطفى التاقي
جريدة النهضة الدولية





إرسال تعليق