حين تتحول أضحية العيد من شعيرة فرح إلى عبء اجتماعي ثقيل

  • بتاريخ : مايو 25, 2026 - 1:19 م
  • الزيارات : 2
  • كان عيد الأضحى في الوجدان الشعبي مناسبة للفرح والتكافل ولمّ الشمل، موسماً تتجدد فيه قيم الرحمة والتضامن بين الأسر والجيران، وتُستحضر فيه الأبعاد الروحية العميقة لشعيرة ارتبطت عبر التاريخ بمعاني الطاعة والتقرب إلى الله. غير أن السنوات الأخيرة حملت معها واقعاً مختلفاً، جعل هذه المناسبة لدى فئات واسعة من المواطنين مصدر قلق وضغط نفسي واجتماعي متزايد.
    فمع الارتفاع المتواصل لأسعار الأضاحي، وغلاء الأعلاف، وتزايد تكاليف المعيشة بشكل عام، وجد كثير من الأسر نفسها عاجزة عن مجاراة متطلبات العيد كما اعتادت. وأصبح السؤال الذي يسبق المناسبة بأيام ليس عن أجواء العيد وطقوسه، بل عن القدرة على اقتناء الأضحية دون الوقوع في دوامة الديون أو التضحية بحاجيات أساسية داخل البيت.
    المؤلم في الأمر أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بعوامل اقتصادية طبيعية، بل تفاقمت بفعل ممارسات المضاربة والجشع واحتكار الأسواق من طرف بعض الوسطاء الذين حولوا المناسبة الدينية إلى موسم للربح السريع. ففي الوقت الذي يعاني فيه الكسّاب الصغير من تكاليف مرتفعة وظروف مناخية صعبة، يجد المواطن نفسه أمام أسعار ملتهبة لا تعكس دائماً القيمة الحقيقية للأضحية، بل تعكس حجم الاختلالات داخل سلاسل التوزيع والتسويق.
    وفي خضم هذا الوضع، تتفاقم الضغوط الاجتماعية بشكل لافت. فالكثير من الأسر، رغم محدودية دخلها، تشعر بأنها مضطرة لاقتناء الأضحية حفاظاً على صورتها داخل المجتمع أو تفادياً لنظرة الأبناء والأقارب والجيران. وهنا تفقد الشعيرة جزءاً من بعدها القائم على الاستطاعة والتيسير، لتتحول عند البعض إلى التزام اجتماعي ثقيل يرهق النفوس قبل الجيوب.
    والحال أن الأضحية، في الفقه الإسلامي بشكل عام، ليست فرضاً على جميع المسلمين، بل شعيرة مرتبطة بالقدرة والاستطاعة، إذ أجمع العلماء على أن الشريعة لا تقصد إدخال الناس في العسر والمشقة. فلا يُطلب من الإنسان أن يستدين أو يرهق أسرته من أجل أداء شعيرة تفوق إمكانياته المادية، وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وهي قاعدة عظيمة تؤكد أن الدين بُني على الرحمة والتيسير، لا على الضغط والإحراج الاجتماعي.
    إن معالجة هذه الأزمة لا يمكن أن تتم عبر حلول ظرفية أو موسمية فقط، بل تتطلب رؤية شاملة تعيد التوازن إلى هذا القطاع وتحمي القدرة الشرائية للمواطن. فالسوق في حاجة إلى مراقبة حقيقية تحد من المضاربة والاحتكار، والكسّابة الصغار يحتاجون إلى دعم مباشر يخفف عنهم أعباء الإنتاج، كما أن المجتمع نفسه مدعو إلى مراجعة بعض السلوكيات المرتبطة بالمظاهر والاستهلاك المفرط خلال العيد.
    وفي المقابل، يبقى من الضروري ترسيخ خطاب ديني واجتماعي متزن يذكّر الناس بأن قيمة العيد لا تُقاس بثمن الأضحية ولا بحجمها، بل بما تحمله المناسبة من معاني الرحمة والتراحم والتقوى. فحين تتحول الشعائر إلى مصدر للضغط النفسي والديون والإحراج الاجتماعي، يصبح من الواجب إعادة النقاش إلى جوهر الدين وروحه الإنسانية السمحة.
    لقد آن الأوان لفتح نقاش مجتمعي هادئ ومسؤول حول مستقبل هذه الشعيرة في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، حتى لا يتحول عيد يفترض أن يكون مناسبة للسكينة والفرح إلى موسم للتوتر والإنهاك والمعاناة الصامتة داخل آلاف البيوت.