الغش في المدرسة العمومية المغربية قراءة في الظاهرة على ضوء كتاب La Médiocratie لـ Alain Deneault

  • بتاريخ : يونيو 4, 2026 - 10:27 ص
  • الزيارات : 5
  • مجرد رأي

     

    الغش في المدرسة العمومية المغربية قراءة في الظاهرة على ضوء كتاب La Médiocratie لـ Alain Deneault

     

     

    لم تعد المدرسة العمومية في المغرب تواجه فقط ازمة الاكتظاظ وضعف البنيات التحتية او محدودية الموارد بل اصبحت مستهدفة في عمق رسالتها التربوية بعدما تحول الغش في امتحانات الباكالوريا الى ظاهرة مقلقة تتكرر كل سنة وتكشف عن تصدع خطير في منظومة القيم داخل المجتمع

    ما وقع امس واليوم خلال امتحانات الباكالوريا من محاولات للغش واستعمال وسائل تكنولوجية متطورة وتسريب للاجوبة واصرار بعض التلاميذ على البحث عن النجاح السهل يطرح اسئلة حقيقية حول نوعية الجيل الذي نصنعه وحول المدرسة التي نريدها هل نريد مدرسة تنتج المعرفة ام مجرد مصنع للشهادات الفارغة

    الخطير في الامر ان الغش لم يعد عند البعض سلوكا معزولا او حالة استثنائية بل اصبح عند فئة من الشباب امرا عاديا بل ويتم احيانا تبريره تحت ضغط الواقع الاجتماعي او بسبب صعوبة الامتحانات او بدعوى ان الجميع يفعل ذلك وهنا تكمن الكارثة الحقيقية حين يصبح الخطأ سلوكا جماعيا يفقد الناس الاحساس بخطورته

    المدرسة العمومية تبدو اليوم وكأنها محاصرة من كل الجهات فمن جهة هناك تراجع دور الاسرة في التربية وغزو الهواتف ومواقع التواصل التي صنعت نجوما من التفاهة ومن جهة اخرى هناك ثقافة اجتماعية اصبحت تمجد الربح السريع والنجاح السهل حتى ولو كان على حساب الجهد والاستحقاق

    ولعل ما يجعلنا نفهم جزءا من هذا الواقع هو ما تحدث عنه المفكر الكندي آلان دونو في كتابه نظام التفاهة حين اعتبر ان المجتمعات الحديثة بدأت تكافئ الاشخاص الذين يسايرون القطيع ولا يطرحون الاسئلة الصعبة بينما يتم تهميش التفكير النقدي والكفاءة الحقيقية فالمهم ليس ان تكون مبدعا او صاحب موقف بل ان تتكيف مع منطق السائد وان تظل داخل الحدود المرسومة لك

    حين نربط هذا الطرح بواقعنا التعليمي سنجد اننا امام خطر حقيقي يتمثل في خلق جيل لا يؤمن بالاجتهاد ولا بالصبر جيل يريد النتيجة دون تعب والشهادة دون معرفة والنجاح دون استحقاق وهو ما يهدد المدرسة العمومية في صميمها باعتبارها فضاء لبناء المواطن لا مجرد محطة لعبور الامتحانات

    ان اخطر ما يمكن ان نصل اليه هو ان يصبح الغش ذكاء وان يصبح المجتهد موضوع سخرية وان تتحول القيم الى عبء وسط مجتمع يصفق للتفاهة ويكافئ الاستعراض ويهمش الكفاءة

    الدفاع عن المدرسة العمومية اليوم لم يعد مسؤولية وزارة التربية فقط بل اصبح معركة مجتمع كامل اسرة واعلاما ومؤسسات ومثقفين لان المدرسة حين تسقط لا يسقط فقط التعليم بل يسقط معها مستقبل وطن بكامله