لم يعد الجدل الدائر حول الدعم العمومي في المغرب مقتصراً على ملف استيراد الأغنام، الذي عاد إلى واجهة النقاش السياسي والبرلماني مع تحرك المعارضة لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق. فخلف هذا الملف تبرز أسئلة أعمق تتعلق بمنظومة كاملة من الدعم والاستيراد، تمتد إلى قطاعات استراتيجية أخرى، وعلى رأسها الحبوب، التي تمثل أحد أعمدة الأمن الغذائي الوطني.
لقد قُدّمت خلال السنوات الأخيرة مبررات واضحة للدعم الموجه إلى المستوردين: الجفاف، تراجع الإنتاج الوطني، اضطراب الأسواق العالمية، وارتفاع أسعار المواد الأساسية. وهي مبررات بدت منطقية في سياق استثنائي عرفته البلاد والعالم. لكن ما يثير التساؤل اليوم هو أن بعض هذه الآليات استمرت أو ظل أثرها قائماً حتى بعد تحسن الظروف المناخية وعودة الأمطار إلى مستويات أفضل من تلك التي عرفتها السنوات السابقة.
الموسم الفلاحي الحالي حمل مؤشرات إيجابية على مستوى التساقطات المطرية، كما رفعت الجهات المختصة توقعاتها بخصوص إنتاج الحبوب مقارنة بالمواسم السابقة. ومع ذلك، لم يتوقف النقاش حول الحاجة إلى الاستيراد، ولا حول الجهات التي تستفيد من الامتيازات المرتبطة به. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل توجد آليات شفافة تسمح للمواطن بمعرفة الكلفة الحقيقية للدعم، وهوية المستفيدين منه، ومدى انعكاسه الفعلي على الأسعار داخل السوق الوطنية؟
في الأثناء، شهدت مناطق متعددة من المغرب حرائق أتت على مساحات من حقول الحبوب، وتسببت في خسائر متفاوتة للفلاحين. ورغم أن هذه الحرائق لا يمكن اعتبارها دليلاً على وجود أي تلاعب أو استغلال، فإنها أضافت عنصراً جديداً إلى مشهد معقد أصلاً. فكلما تضرر جزء من الإنتاج الوطني، عاد الحديث عن الحاجة إلى مزيد من الواردات، ومزيد من التدخلات المالية، ومزيد من الأموال العمومية التي تُصرف باسم حماية الأمن الغذائي.
المشكلة الحقيقية ليست في الاستيراد ذاته، فكل الدول تستورد عندما تقتضي الحاجة ذلك، وليست في الدعم عندما يكون موجهاً لتحقيق المصلحة العامة. المشكلة تبدأ عندما تصبح الأرقام غير واضحة، وعندما تغيب المعطيات الدقيقة عن الرأي العام، وعندما لا يعرف المواطن كيف صُرفت الأموال التي اقتُطعت أصلاً من موارده الضريبية.
فإذا كان البرلمان يتجه اليوم إلى مساءلة الجهات المستفيدة من دعم استيراد الأغنام، فإن المنطق نفسه يقتضي فتح نقاش أوسع حول مختلف برامج الدعم المرتبطة بالاستيراد، سواء تعلق الأمر بالحبوب أو الأعلاف أو غيرها من المواد الأساسية. لأن السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط لا يتعلق بالأرقام التقنية بقدر ما يتعلق بالنتيجة النهائية: إذا كانت الدولة قد خصصت مليارات الدراهم للدعم، فلماذا لم يلمس المستهلك انخفاضاً ملموساً في الأسعار؟ وإذا كانت التدخلات العمومية تهدف إلى حماية القدرة الشرائية، فلماذا ظل العبء يزداد على الأسر المغربية؟
إن الشفافية ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً أساسياً لبناء الثقة. ولجان تقصي الحقائق لا ينبغي أن تُنظر إليها باعتبارها أداة للمواجهة بين الأغلبية والمعارضة، بل باعتبارها آلية دستورية لكشف الحقائق وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
اليوم، لا يحتاج المغاربة إلى مزيد من السجالات بقدر ما يحتاجون إلى أجوبة واضحة: من استفاد؟ كم استفاد؟ وما الذي تحقق فعلياً مقابل الأموال العمومية التي صُرفت؟
وعندما تصبح هذه الأجوبة متاحة للجميع، سيتحول النقاش من دائرة الشكوك والتأويلات إلى فضاء الحقائق والأرقام. أما استمرار الغموض، فلن يؤدي إلا إلى اتساع دائرة الأسئلة، ليس فقط حول “فراقشية” الأغنام، بل حول كل الملفات التي تتقاطع فيها مصالح المال العام مع مصالح المستفيدين من اقتصاد الدعم والاستيراد.