210 مليارات درهم للتنمية الترابية.. والجديدة أمام فرصة لطيّ صفحة الإمكانات المؤجلة

  • الكاتب : سمير أشقر
  • بتاريخ : أغسطس 14, 2026 - 2:46 م
  • الزيارات : 86
  • دخل ورش التنمية الترابية بالمغرب مرحلة جديدة مع إسناد مهمة الإشراف بصفة انتقالية على «الصندوق المندمج للتنمية الترابية» لفوزي لقجع، في إطار برامج تمتد على ثماني سنوات وبغلاف مالي إجمالي يناهز 210 مليارات درهم. وجاء هذا التكليف بموجب مرسوم وقعه رئيس الحكومة عزيز أخنوش، ونُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 6 غشت 2026، محدداً الإطار التنظيمي لتدبير العمليات والبرامج المرتبطة بالحساب الخاص المحدث لهذا الغرض.
    ولا تكمن أهمية هذا الورش في حجم الاعتمادات المالية وحده، وإنما في الرهان الذي يحمله: الانتقال من منطق توزيع المشاريع إلى منطق أكثر اندماجاً، يقوم على تشخيص الحاجيات، وترتيب الأولويات، وتحقيق أثر ملموس على حياة المواطنين في مختلف الجهات والأقاليم.
    وبموجب المقتضيات التنظيمية الجديدة، يمكن لفوزي لقجع إشراك الولاة والعمال ومسؤولي المصالح المركزية واللاممركزة التابعة للقطاعات الحكومية في تنفيذ العمليات الداخلة ضمن اختصاصات الحساب، وفق القواعد المعمول بها في مجال المحاسبة العمومية، بما يعزز التنسيق بين المستوى المركزي والتنفيذ الترابي.
    كما أن مبلغ 210 مليارات درهم ينبغي فهمه باعتباره الغلاف المالي الإجمالي التقديري للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة على مدى ثماني سنوات، وليس مبلغاً سيُصرف دفعة واحدة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بحجم الموارد، وإنما بكيفية توزيعها، وبالمعايير التي ستحدد الأولويات، وبقدرة المشاريع على إنتاج أثر اقتصادي واجتماعي مستدام.
    ومن هنا تبرز قضية العدالة المجالية باعتبارها أحد أهم الاختبارات أمام هذا الورش. فالتنمية الترابية لا تعني توزيع الموارد بالتساوي الحسابي بين المدن والأقاليم، وإنما توجيهها وفق الحاجيات والإمكانات والفوارق المسجلة، بما يسمح للمجالات التي تعاني خصاصاً أو تعثراً تنموياً بتدارك الفجوة، وللمجالات ذات المؤهلات الكبيرة بتحويل إمكاناتها إلى محركات حقيقية للنمو.
    وفي هذا السياق، تبرز مدينة الجديدة وإقليمها باعتبارهما نموذجاً يستحق أن يحظى باهتمام خاص. فالحديث عن الجديدة لا ينبغي أن يُبنى على خطاب المظلومية أو إنكار ما تحقق من مشاريع، وإنما على قراءة موضوعية لمدينة تمتلك مؤهلات استثنائية، ومع ذلك ما تزال تواجه تحديات تنموية لا تتناسب دائماً مع حجم تلك المؤهلات.
    فالجديدة تقع على الواجهة الأطلسية، وتتمتع بموقع استراتيجي داخل جهة الدار البيضاء–سطات، وتتوفر على قاعدة صناعية واقتصادية مهمة، ومؤهلات فلاحية وسياحية كبيرة، وموروث تاريخي وثقافي بارز، فضلاً عن قربها من أحد أهم الأقطاب الاقتصادية بالمملكة. كل هذه العناصر تمنحها شروطاً موضوعية لتكون قطباً تنموياً أكثر تأثيراً داخل الجهة وعلى المستوى الوطني.
    لكن امتلاك المؤهلات لا يعني بالضرورة تحويلها إلى تنمية. وهنا يكمن جوهر النقاش حول الجديدة.
    فالمواطن الجديدي لا يقيس مكانة مدينته بعدد المؤهلات التي تتوفر عليها، وإنما بما يلمسه في حياته اليومية من جودة الطرق، والنقل، والصحة، والتعليم، والنظافة، والإنارة، والمساحات الخضراء، والتجهيزات الثقافية والرياضية، وفرص الشغل، وجاذبية الاستثمار، وجودة المجال الحضري.
    ومن الإنصاف التأكيد أن الجديدة عرفت خلال السنوات الماضية عدداً من المشاريع والمبادرات التنموية، وأن الدولة ومختلف المؤسسات العمومية لم تتوقف عن الاستثمار في الإقليم. غير أن حجم الحاجيات المتراكمة وطبيعة التحولات التي تعرفها المنطقة يفرضان اليوم الانتقال إلى مستوى آخر من التخطيط، يقوم على رؤية شاملة ومستدامة، بدل الاكتفاء بمعالجة الاختلالات مشروعاً بعد آخر.
    فالجديدة تحتاج إلى أن تُقرأ باعتبارها منظومة ترابية متكاملة، لا مجرد مدينة ساحلية. مستقبلها يرتبط بالصناعة والفلاحة والسياحة والاقتصاد الأزرق والثقافة والخدمات والابتكار، كما يرتبط بقدرتها على خلق علاقة أكثر اندماجاً بين النشاط الاقتصادي وبين محيطه الاجتماعي والمجالي.
    وتبرز السياحة، على سبيل المثال، كإحدى الفرص التي يمكن أن تمنح المدينة دفعة نوعية. فالموروث البرتغالي، والواجهة البحرية، والمدينة العتيقة، والرصيد الثقافي والتاريخي، كلها عناصر قادرة على بناء منتج سياحي أكثر تنافسية، إذا ما جرى ربطها بسياسة متكاملة للتأهيل والترويج والاستثمار وخلق فرص الشغل.
    كما أن مستقبل الجديدة الاقتصادي لا ينبغي أن ينفصل عن شبابها. فالاستثمار في التكوين والابتكار وريادة الأعمال والصناعات الثقافية والرقمية أصبح جزءاً أساسياً من التنمية الحديثة. والمدينة التي تتوفر على مؤهلات اقتصادية ومؤسسات تعليمية وموقع استراتيجي تحتاج إلى أن تمنح شبابها أدوات حقيقية للمشاركة في صناعة مستقبلها.
    وهنا يصبح ورش التنمية الترابية فرصة لإعادة طرح سؤال أساسي: ما المكانة التي ينبغي أن تحتلها الجديدة خلال العقد المقبل داخل الخريطة الاقتصادية والتنموية للمغرب؟
    هل ستظل مدينة ذات مؤهلات كبيرة لكنها تستفيد من مشاريع متفرقة؟ أم يمكن أن تتحول إلى قطب تنموي متكامل داخل جهة الدار البيضاء–سطات، يستثمر موقعها الأطلسي وقاعدتها الصناعية ومؤهلاتها السياحية والفلاحية والبشرية؟
    الجواب لا يرتبط بمؤسسة واحدة، ولا بمسؤول واحد، وإنما يحتاج إلى التقاء الإرادة الحكومية مع الإدارة الترابية والمجالس المنتخبة والقطاع الخاص والجامعة والمجتمع المدني والشباب والإعلام، ضمن رؤية واضحة قابلة للقياس والتقييم.
    ومن هذه الزاوية، فإن المسؤولية الجديدة لفوزي لقجع تكتسي دلالة خاصة. فالإشراف على ورش بهذا الحجم يعني أن التحدي لن يكون مالياً فقط، وإنما سيكون أيضاً تحدياً في الحكامة والتنسيق وترتيب الأولويات وتحويل الاعتمادات إلى نتائج ملموسة.
    والاختبار الحقيقي لأي صندوق تنموي ليس في حجم الأموال التي يعبئها، وإنما في أثرها على الأرض.
    كم فرصة شغل خُلقت؟ كم منطقة خرجت من العزلة؟ كم خدمة عمومية تحسنت؟ كم استثماراً جديداً استقطبته المدينة أو الإقليم؟ كم فارقاً مجالياً تم تقليصه؟ وكم مواطناً أصبح يشعر بأن السياسات العمومية وصلت فعلاً إلى محيطه؟
    وفي حالة الجديدة، فإن العدالة المجالية لا تعني منحها امتيازاً على حساب باقي المدن المغربية، وإنما تمكينها من استثمار مؤهلاتها ومعالجة خصاصها وفق رؤية منصفة. فالمدينة التي تمتلك مؤهلات صناعية وسياحية وفلاحية كبيرة تحتاج إلى بنية تحتية وخدمات ومواصلات وتأهيل حضري يتناسب مع الدور الذي يمكن أن تلعبه في الاقتصاد الوطني.
    والدفاع عن الجديدة، في هذا السياق، لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب احتجاجي أو صدامي، بل إلى مطالبة مؤسساتية هادئة ومبنية على المعطيات والأرقام، هدفها لفت الانتباه إلى مكامن الخلل واقتراح الحلول وفتح نقاش عمومي حول مستقبل المدينة.
    الجديدة لا تحتاج إلى أن تُقدَّم باعتبارها «مدينة منسية»، لأن هذا الوصف قد لا يعكس بدقة حجم ما تحقق من جهود ومشاريع. لكنها في المقابل تحتاج إلى الاعتراف بأن هناك إمكانات لم تُستثمر بالكامل، وحاجيات لا تزال قائمة، وفجوة بين حجم طموح سكانها وبين ما يرونه في بعض المجالات من مستوى التجهيز والخدمات والتنمية.
    وهنا تكمن قيمة المقاربة الجديدة للتنمية الترابية: أن تمنح كل إقليم فرصة لإعادة اكتشاف إمكاناته، وأن تجعل الاستثمار العمومي أكثر ارتباطاً بالنتائج، وأن تضع المناطق التي تحتاج إلى دفعة تنموية في صلب الأولويات.
    إن الجديدة ليست في منافسة مع الدار البيضاء أو الرباط أو مراكش أو طنجة أو أي مدينة مغربية أخرى. نجاحها لا ينبغي أن يكون على حساب غيرها، بل ضمن نجاح المغرب كله. لكن مغرباً قوياً ومتوازناً يحتاج إلى مدن وأقاليم قوية، وإلى توزيع أكثر إنصافاً للفرص والاستثمارات، وإلى تنمية تجعل المواطن يشعر بأن موقعه الجغرافي لا يحدد سقف طموحه.
    لذلك، فإن مبلغ 210 مليارات درهم يجب ألا يُقرأ فقط باعتباره رقماً ضخماً في ميزانية برامج وطنية، بل باعتباره فرصة لإعادة ترتيب الأولويات وتصحيح الاختلالات وبناء توازن مجالي أكثر قوة واستدامة.
    والجديدة واحدة من المدن التي يمكن أن تختبر فيها هذه الفلسفة على أرض الواقع: مدينة تمتلك التاريخ والبحر والصناعة والفلاحة والموقع، وتحتاج اليوم إلى رؤية تجعل هذه العناصر مجتمعة مصدر قوة اقتصادية واجتماعية وتنموية.
    فالرهان الحقيقي ليس أن تنفق الدولة 210 مليارات درهم، وإنما أن يتحول جزء من هذه الموارد إلى طرق أفضل، وخدمات أجود، واستثمارات أكثر، وفرص شغل جديدة، وفضاءات حضرية أفضل، وسياحة أكثر دينامية، وشباب أكثر قدرة على صناعة مستقبله.
    في النهاية، التنمية الترابية ليست مجرد سياسة مالية، بل هي مسألة إنصاف وثقة ومستقبل. وعندما يشعر المواطن في الجديدة بأن مدينته تتقدم، وأن مؤهلاتها أصبحت قيمة مضافة حقيقية، وأن أبناءها يحصلون على فرص عادلة، فإن ذلك لن يكون انتصاراً للجديدة وحدها، بل نجاحاً لفكرة التنمية الترابية التي يراهن عليها المغرب.