تتمّة قصة إلياس: صوت الأم الذي لا يرحل

  • بتاريخ : يناير 9, 2026 - 10:19 ص
  • الزيارات : 0
  • تتمّة قصة إلياس: صوت الأم الذي لا يرحل

    طالب طالب يايو،

    أسعدات مّو وبّاه،

    أمولات الخيمة،

    أعطيني بيضة،

    باش نزوق لوحتي،

    لوحتي عند الطالب،

    والطالب في الجنة،

    والجنة محلولة،

    مولانا مولانا،

    يا سميع دعانا،

    لا تقطع رجانا،

    من حرمة نبينا،

    محمد وأصحابه،

    في الجنة يتصابو،

    صلوا يا روجالا، على محمد نبينا، لا إله إلا الله، محمد رسول الله…».

     

    كانت تلك الأنشودة تتردد في أذن إلياس كأنها قادمة من عالم بعيد… عالم لا علاقة له بالواقع الذي يعيش فيه.
    كانت أمه هي الصوت… هي اللحن… هي الذكرى.

    في حلمه، كانت تمسك بيده، تقوده نحو باب الكتاب.
    كل التلاميذ يقفون مصطفّين، يرددون الأنشودة نفسها، أصواتهم ترتفع وتختلط، لكن إلياس لم يكن يسمع أحدًا…
    كان يسمع صوت أمه وحده.

    كانت تبتسم وتقول له:
    “بغيتك يا وليدي اتفلح… تبقى قُدّام، ماشي لور.”

    ثم تركت يده…
    دارت…
    ومضت مبتعدة.

    في تلك اللحظة، خاف إلياس.
    تجمّد.
    حاول اللحاق بها لكن رجليه رفضتا الحركة.
    صار يصرخ بأعلى ما يملك:

    “مامااااااااا… لا تمشييييي…”

    التلاميذ يواصلون:

    «طالب طالب يايو… أسعدات مو مو…»

    وصوت أمه يبتعد… ويبتعد…
    حتى اختفى.

    وفجأة… شعر بيد تهزّه.
    وصوت يقول له:

    “إلياس… فيق. راه غير كابوس.”

    فتح عينيه.
    فعاد إلى الواقع القاسي: غرفة المركز، الضوء الباهت، جسده المرهق، وعقله المشوّش من المسكنات.
    مرّت أيّام على وفاة أمه، لكنه كان يعيش بين الحلم واليقظة، بين الدواء والضياع.
    لم يعد يعرف ماذا حدث بالفعل وماذا صنعه عقله للهروب من الألم.

    لكنه… كان يفضّل ذلك الحلم.
    يفضل تلك اللحظة التي تُمسك فيها أمه يده، تنشد له، حتى لو كانت مجرد ذكرى مغلفة بالحنين.

    كانت أمه حلمها دائمًا أن يكون متفوقًا.
    كانت تأخذه كل مساء إلى الكتاب ليحفظ القرآن، وتنتظره عند الباب، وعند العودة تردد الأنشودة نفسها.
    كان يضع رأسه على ركبتها، وهي تمسح شعره بنعومة، ورائحة طعامها تنتشر في البيت…
    خبز ساخن، حساء على النار، ودفء لا يعرفه إلا من فقده.

    كان إلياس أكبر إخوته الخمسة.
    كان فرحة أمه الأولى.
    دلالها، قلبها، ابنها الذي تقول عنه أمام الناس:

    “هذا ولدي الكبير… نور عيني.”

    كانت تحلم أن يكمل دراسته الجامعية، أن يصبح رجلًا ذا مكانة، أن يحمل اسم العائلة إلى أماكن أجمل مما عاشته هي.

    لكن إلياس… لم يحقق شيئًا.
    هرب منها… ترك البيت… ترك المدرسة… ترك أحلامها غير مكتملة.

    والآن…
    هي رحلت.

    وهو… لا يزال هنا، عالقًا بين ألم لا يشبه أي ألم، وبين ذكرى جميلة تزيد الجرح اتساعًا بدل أن تشفيه.

    في تلك الليلة، جلس إلياس في سريره بالمركز.
    لم يبكِ.
    لم يصرخ.
    لم يتكلم.

    لكن شيئًا في داخله انكسر…
    انكسر نهائيًا.

    كان يعلم يقينًا أن العالم لم يعد كما كان، وأنه لن يعود كما كان، وأن أمه…
    أمه التي كانت تنشده “طالب طالب يا يُّو”…

    لن تعود أبدًا.

    كان إلياس، في تلك الأيام التي عاشها داخل المركز، كلما أغلق عينيه، ظهرت أمامه تفاصيل بيته القديم: الجدران المتشققة، رائحة الخبز التي كانت أمّه تخبزه كل صباح، صراخ إخوته الصغار وهم يتعاركون على لعبةٍ مكسورة… كل الأشياء التي كان يراها عادية، بل مزعجة، صارت الآن أجمل مما يحتمل قلبه.

    كان يتذكّر كيف كان يجلس في زاوية البيت، يكرر بحدة:
    «هاد لبلاد آش عطاتني؟ أنا خاصني نخرج، نمشي لاغربة… أنا ماشي ديال هنا.»
    كانت أمّه تنظر إليه بصمت، ذلك الصمت الذي لا يفهمه إلا حين يفقد صاحبه. كانت تبتسم أحياناً، وأحياناً أخرى تُخفض رأسها وتتنهّد… لم يحاول يومًا أن يفهم تلك التنهيدة.

    كان يرى الدنيا صغيرة، ويرى نفسه أكبر من كل شيء: أكبر من مدخول أبيه البسيط، من غرفة النوم التي يتشاركها مع إخوته الخمسة، من الأواني النحاسية القديمة في المطبخ، من الملابس التي تعيد أمه ترقيعها كل شتاء… كان يظن أنّه يستحق أكثر، وأنّ العالم مدين له.

    لكن حين جلس وحيدًا في تلك الغرفة الباردة في مركز القاصرين، بلا لغة، بلا أم، بلا وطن، بلا أحد يربت على كتفه، سأل نفسه لأول مرة بصوت سمعه قلبه قبل أذنيه:
    «وأنا… شنو عطيت؟ شنو قدمت؟ شنو بنيت؟»

    اكتشف أن كل ما فعله هو الشكوى… والهرب.
    هرب من الفقر.
    هرب من المسؤولية.
    هرب من حضن كان سيغلق عليه الدنيا كلها لو أراد.

    تذكّر دعاءه الذي كان يردده كل ليلة في غضبه:
    «يا ربي خرجني من هاد البلاد…»
    وكأن السماء سمعت غضبه ولم تسمع جهله… ففتحت له بابًا ظنّه خلاصًا، وهو في الحقيقة امتحانًا لم يكن مستعدًا له.
    فتح له الطريق، لكن الثمن كان باهظًا… باهظًا إلى درجة أنه لم يكن يتخيلها حتى في أسوأ كوابيسه.

    رحيل أمه كان الصدمة التي قصمت ظهر روحه.
    أدرك حينها أن الخراب لم يكن في البلد، ولا في البيت، ولا في الفقر…
    كان الخراب داخله.
    كان يبحث عن وطن خارجه، بينما كان الوطن الحقيقي جالسًا في المطبخ يخبز له رغيفًا ساخنًا… وطن مسجى اليوم تحت التراب.

    كان يردد بينه وبين نفسه:
    «كنت كنتسنى من بلادي بزاف… من عائلتي بزاف… ولكن أنا شنو درت ليهم؟ ولو.
    بالعكس… خليت أثر ما يتصلحش.»

    كانت الدموع تنزل بصمت، بلا نحيب… دموع ثقيلة، باردة، كأنها تعاتب أكثر مما تحزن.
    وأول مرة أحس بثقل الزمن… بثقل الغربة… بثقل نفسه.