البداوي ادريسي
في نهاية الأمر، مهما ازدحم الطريق بالوجوه، ومهما أحاطت بك الأصوات والرفقة والوعود، يبقى هناك جزء من الرحلة لا يقطعه أحد سواك. فالحياة، على اتساعها، ليست سوى سلسلة من المعابر الفردية التي نعبرها وحدنا؛ نولد وحدنا، ونتخذ قراراتنا المصيرية وحدنا، ونواجه مخاوفنا وأسئلتنا الكبرى في عزلة لا يراها أحد.
قد يرافقك الأهل والأصدقاء والزملاء في محطات كثيرة، وقد تجد من يشاركك الخبز والحلم والذكريات، لكن حين يحين موعد الاختبار الحقيقي، تكتشف أن الطريق الذي رسمته الأقدار لك لا يتسع إلا لخطواتك أنت. هناك لحظات لا تنفع فيها النصائح، ولا تكفي فيها المواساة، ولا يغني فيها الحضور عن خوض التجربة بنفسك.
لقد أدرك العربي القديم هذه الحقيقة منذ قرون، وهو يواجه الصحراء مترامية الأطراف، حيث لا سند للمرء إلا عزيمته. فأنشد الشاعر الجاهلي:
“وما المرءُ إلا كالشهابِ وضوئهُ
يحورُ رماداً بعد إذ هو ساطعُ”
فكل إنسان يحمل في داخله رحلة خاصة، تبدأ من نقطة لا يعرفها غيره، وتنتهي عند مصير لا يستطيع أحد أن يشاركه فيه بالكامل.
وفي زحمة العصر الحديث، حيث تحاصرنا وسائل التواصل بأوهام القرب الدائم، ينسى كثيرون أن الوحدة ليست دائماً عزلة، بل قد تكون لحظة اكتشاف للذات. فالإنسان لا يعرف حقيقة قوته إلا حين يجد نفسه وجهاً لوجه أمام مسؤولياته، بعيداً عن التصفيق والضجيج.
كم من شخص ظن أن الآخرين سيحملون عنه أعباء الطريق، فإذا به يكتشف أن الحياة لا تمنح أحداً وكالة عن أحد. وكم من إنسان خذله القريب والبعيد، لكنه وجد في أعماقه ما يكفي من الصبر ليواصل المسير. فالقوة الحقيقية ليست في عدد المرافقين، بل في القدرة على الاستمرار حين يقل الرفاق أو يختفون.
ولعل أجمل ما قيل في هذا المعنى ما نُسب إلى طرفة بن العبد:
“ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً
ويأتيك بالأخبار من لم تزودِ”
فالأيام وحدها كفيلة بأن تكشف لك معادن الناس، وتعلمك أن بعض من ظننتهم رفقاء درب لم يكونوا سوى عابري سبيل، بينما يبقى الإنسان مطالباً بأن يحمل حقيبته الروحية بنفسه، وأن يواصل المسير مهما تبدلت الوجوه والظروف.
إن الدروب الكبرى في حياة البشر لا تقاس بعدد من ساروا فيها، بل بقدرة صاحبها على بلوغ نهايتها. لذلك لا تحزن إن وجدت نفسك أحياناً وحيداً في منتصف الطريق، ولا تظن أن قلة المرافقين تعني خطأ الوجهة. فربما كانت تلك الوحدة جزءاً من الدرس، وربما كان الصمت الذي يحيط بك هو المساحة التي تحتاجها لتسمع صوتك الحقيقي.
وحدك تمشي في هذا الدرب… نعم، لكنك لست بالضرورة ضعيفاً. فالأشجار العظيمة تنمو منفردة، والأنهار تشق مجاريها بصبر، والنجوم تضيء السماء كل ليلة دون أن تنتظر تصفيقاً من أحد.
وفي النهاية، ليست العبرة بمن رافقك في البداية، ولا بمن لوّح لك من بعيد، بل بمن بقيت أنت عليه بعد كل ما مررت به. فالدرب دربك، والخطوة خطوتك، والغاية غايتك… أما الآخرون، فبعضهم رفقاء محطة، وبعضهم ظلال عابرة، ويبقى الإنسان، في أعمق معاني وجوده، مسافراً يحمل قدره على كتفيه، ويمضي.