تكرار الطقوس في الشارع: هل نحن أمام حرية أم أمام فرض واقع جديد؟

بقلم: مواطنة مغربية
مريم مستور

أثار تكرار مشاهد ممارسة طقوس دينية يهودية في الفضاء العام، بكل من باب دكالة بمدينة مراكش وشواطئ أكادير، نقاشاً واسعاً داخل الأوساط المغربية، بين من يراها تعبيراً طبيعياً عن حرية العبادة، ومن يعتبرها سلوكاً غير مألوف يطرح تساؤلات حول السياق والتوقيت والدلالات.

في بلد عُرف تاريخياً بتعدده الديني والثقافي، لم يكن التعايش بين المسلمين واليهود يوماً محل خلاف. فقد احتضن المغرب عبر قرون طويلة مواطنيه اليهود، الذين عاشوا في مختلف مدنه وشاركوا في نسيجه الاجتماعي والثقافي. كما ظل الدستور المغربي يكفل حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية في إطار من التنظيم واحترام الخصوصية المجتمعية.

غير أن ما يثير الجدل اليوم، بحسب متابعين، هو انتقال بعض هذه الممارسات من الفضاءات الخاصة أو دور العبادة إلى الفضاء العام، بشكل جماعي ومتكرر، وفي فترة زمنية متقاربة. وهو ما يدفع إلى طرح تساؤلات مشروعة:
هل يتعلق الأمر بممارسات عفوية لسياح أو زوار؟
أم أن هناك تحولات أعمق في طريقة التعبير الديني داخل المجال العام؟
يرى عدد من المهتمين أن الإشكال لا يكمن في مبدأ حرية العبادة، بقدر ما يرتبط بطريقة ممارستها وحدودها، خاصة عندما تتم في فضاءات مشتركة قد تؤثر على الإحساس العام بالتوازن أو تثير حساسيات لدى فئات من المجتمع. فالحرية، وفق هذا الطرح، تظل مرتبطة بمسؤولية مراعاة السياق الثقافي والاجتماعي.

وفي هذا الإطار، يبرز أيضاً بُعد آخر للنقاش، مرتبط بالسياق الدولي، حيث تتقاطع هذه المشاهد مع مشاعر التضامن الواسعة التي يبديها المغاربة تجاه القضية الفلسطينية. ويرى البعض أن هذا التزامن يجعل تقبّل مثل هذه المظاهر في الشارع أكثر تعقيداً، في ظل ما يعتبرونه ازدواجية في المعايير على المستوى الدولي فيما يخص حرية ممارسة الشعائر الدينية.
من جهة أخرى، يتوسع النقاش ليشمل قضايا ذات طابع قانوني واقتصادي، من قبيل الحديث عن مطالب مرتبطة بعقارات أو ممتلكات تاريخية، وهو ما يزيد من حساسية الموضوع، ويدفع إلى الربط بين ما هو ديني وما هو مرتبط بالملكية والسيادة.
ويرى متابعون أن تكرار هذه الوقائع في أكثر من مدينة خلال فترة قصيرة قد يُفهم، في إحدى قراءاته، على أنه اختبار لمدى تقبل المجتمع وردود فعل المؤسسات، في ظل غياب توضيحات رسمية كافية حول هذه الظواهر.
وفي المقابل، يؤكد آخرون أن الحفاظ على نموذج التعايش المغربي يمر عبر التمسك بالتوازن الدقيق بين الانفتاح واحترام الخصوصيات، مع ضرورة وضع ضوابط واضحة لتنظيم استعمال الفضاء العام، بما يضمن عدم تحوله إلى مجال للتوتر أو سوء الفهم.
يبقى السؤال المطروح اليوم:
هل تعكس هذه الأحداث دينامية طبيعية لمجتمع متنوع ومنفتح،
أم أنها مؤشر على تحولات أعمق تستدعي نقاشاً هادئاً ومسؤولاً؟
في كل الأحوال، يبدو أن المرحلة الحالية تتطلب مقاربة متوازنة، تراعي ثوابت المجتمع المغربي، وتحافظ في الوقت ذاته على قيم التعايش التي شكلت إحدى أبرز خصوصياته عبر التاريخ.

Comments (0)
Add Comment