الجديدة… مدينة تُستهلك انتخابياً وتُعاد إدارتها خارج منطق التنمية قراءة في حصيلة المنتخبين، وتحولات الحكامة الترابية،

  • بتاريخ : مايو 29, 2026 - 9:26 ص
  • الزيارات : 11
  • في الجديدة، لم يعد السؤال الانتخابي التقليدي هو ما يشغل المواطن. السؤال تغيّر في عمقه واتجاهه: ماذا تحقق فعلياً بعد سنوات من الوعود؟ وأين تقف المدينة اليوم بين ما قيل في الحملات الانتخابية وما هو قائم على الأرض؟
    المدينة التي لطالما اعتُبرت من أبرز الحواضر الساحلية، تبدو اليوم في وضع مركّب: مؤهلات طبيعية وتاريخية كبيرة، مقابل واقع حضري وتنموي متعثر. اختلالات البنية التحتية، ضعف جودة الفضاءات العمومية، ضغط مروري متزايد، وتراجع الجاذبية السياحية، كلها مؤشرات على مسار تنموي لم يحقق التوازن المطلوب.
    في هذا السياق، يظهر المجلس الجماعي باعتباره مركز القرار المحلي، لكنه في نظر شريحة واسعة من الساكنة لم ينجح في التحول إلى أداة فعالة للتنمية، بقدر ما ظل محكوماً بتوازنات سياسية وصراعات ظرفية. وفي المقابل، يظل الحضور البرلماني للإقليم محدود الأثر داخل النقاش العمومي الوطني، مع غياب تأثير واضح في الدفاع عن الملفات الاستراتيجية للمدينة أو تسريع إخراج مشاريعها الكبرى.
    الأكثر دلالة هو استمرار نفس البنية السياسية عبر الاستحقاقات المتتالية، وإعادة إنتاج نفس الوجوه في مشهد انتخابي يفتقر إلى آليات صارمة للمساءلة، ما يجعل مفهوم المحاسبة الانتخابية ضعيف الأثر في الواقع العملي.
    على المستوى الحضري، تتراكم الإشكالات بشكل متداخل: أحياء تنمو خارج منطق التخطيط المتكامل، تفاوت واضح في البنية العمرانية، ضعف في تدبير النظافة والنفايات، وتحديات مستمرة في البنية التحتية الأساسية. هذه العناصر لا تعكس فقط مشاكل تقنية، بل تكشف عن غياب رؤية حضرية شاملة قادرة على توجيه نمو المدينة.
    سياحياً، تعيش الجديدة مفارقة واضحة. فرغم موقعها الساحلي وعمقها التاريخي، فإنها تتراجع مقارنة بمدن أخرى نجحت في تحويل واجهاتها البحرية ومجالاتها التاريخية إلى رافعات اقتصادية. المدينة القديمة، والبرج البرتغالي، وبعض الفضاءات الرمزية، ما تزال خارج دائرة التثمين السياحي الفعلي، في وقت أصبحت فيه التجارب المقارنة تؤكد أن التراث يمكن أن يتحول إلى محرك اقتصادي إذا تم استثماره بذكاء.
    اجتماعياً، يبرز ملف الشباب كأحد أكثر المؤشرات حساسية. ارتفاع نسب البطالة، محدودية الفرص، واتساع موجة الهجرة نحو مدن أخرى، تعكس خللاً بنيوياً في قدرة الاقتصاد المحلي على استيعاب الطاقات الجديدة، وهو ما يعمق الإحساس العام بتراجع الأفق التنموي داخل المدينة.
    وفي هذا الإطار، تظل مجموعة من الملفات الثقيلة حاضرة بقوة في النقاش المحلي. ملف الكورنيش الذي لم يصل بعد إلى صيغة تأهيل شاملة، وملف “المنتزه الكبير” الذي تحول إلى رمز لانتظارات طويلة لم تكتمل، إضافة إلى النقل الحضري الذي يعاني ضغطاً متزايداً في ظل توسع المدينة، والقطاع الصحي الذي يواجه بدوره خصاصاً في الموارد والتجهيزات.
    هذه الملفات لا تُفهم بمعزل عن سؤال الحكامة، بل ترتبط مباشرة بفعالية القرار المحلي وقدرته على تحويل البرامج إلى نتائج ملموسة.
    في موازاة ذلك، عرف المغرب مؤخرا تحولات مهمة في نمط الحكامة الترابية، استجابة لتوجيهات ملكية واضحة ركزت على تسريع الإنجاز، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجاوز بطء المنظومة التقليدية في تدبير المشاريع. هذا التوجه عزز دور الولاة والعمال باعتبارهم سلطة ترابية مكلفة بالتتبع والتنسيق ودفع المشاريع نحو التنفيذ، في إطار الجهوية المتقدمة.
    هذا التحول يعكس بشكل غير مباشر حدود النموذج التقليدي للتدبير الحزبي المحلي، الذي أبان في عدد من الحالات عن صعوبات في مواكبة متطلبات التنمية، سواء من حيث السرعة أو النجاعة أو القدرة على تحقيق النتائج.
    ضمن هذا السياق أيضاً، برز نموذج الشركات الجهوية متعددة الخدمات كتحول مؤسساتي مهم في تدبير قطاعات الماء والكهرباء والتطهير والنظافة وغيرها من الخدمات الأساسية. هذا النموذج يقوم على منطق التخصص والنجاعة، ونقل جزء من التدبير من الجماعات إلى شركات جهوية تعتمد آليات أكثر مرونة في التنفيذ والتتبع.
    غير أن هذا التحول يطرح بدوره أسئلة حول تداخل المسؤوليات بين المنتخبين والسلطات الترابية وهذه الشركات، وحدود المحاسبة في ظل تعدد المتدخلين، ما يجعل منظومة التدبير أكثر تعقيداً، ويعيد طرح سؤال من يتحمل فعلياً مسؤولية الإنجاز أو التعثر.
    كما يضع هذا التحول المنتخب المحلي أمام واقع جديد، لم يعد فيه الفاعل الوحيد في تدبير الخدمات، بل جزءاً من شبكة متعددة المستويات، ما يتطلب إعادة ضبط آليات المساءلة وتحديد المسؤوليات بشكل أكثر دقة ووضوحاً.
    في المقابل، يزداد الفارق وضوحاً عند مقارنة الجديدة بمدن مثل طنجة و أكادير و الرباط و مراكش … ، حيث استطاعت هذه الحواضر تسريع وتيرة المشاريع، وجذب الاستثمار، وإعادة تشكيل صورتها الحضرية في فترة زمنية محدودة نسبياً، وهو ما يطرح سؤال الرؤية والفعالية أكثر من سؤال الإمكانيات.
    في العمق، لا يبدو أن الأزمة مرتبطة بندرة الموارد بقدر ما هي مرتبطة بضعف القدرة على توجيهها نحو نتائج ملموسة. فالجديدة تمتلك موقعاً استراتيجياً، وواجهة بحرية مهمة، ورصيداً تاريخياً وبشرياً، لكنها لم تنجح بعد في تحويل هذه العناصر إلى مشروع تنموي متكامل.
    ما تحتاجه المدينة اليوم لا يقتصر على تشخيص الواقع، بل على إعادة تعريف منطق التدبير نفسه، بما يضمن وضوح المسؤوليات، وتسريع القرار، وربط الفعل العمومي بنتائجه المباشرة على حياة المواطن.
    فاستمرار نفس المنطق الحالي يعني ببساطة إعادة إنتاج نفس النتائج، مهما تغيرت الوجوه أو الشعارات.