اليهود… من الطرد التاريخي إلى احتلال القرار العالمي

  • بتاريخ : مايو 31, 2025 - 4:07 م
  • الزيارات : 0
  • بقلم:جميلة غطاس

    في مشهد يعيد إنتاج مفارقات التاريخ، يظهر الكيان الصهيوني اليوم كأحد أقوى اللاعبين على رقعة الجغرافيا السياسية، بينما تُقمع أصوات المظلومين وتُزيف الحقائق، وكأن آلة الإعلام العالمي نسيت – أو تناست – أن من تَحَكَّم اليوم في قرارات العالم، كان بالأمس مطرودًا من كل بقاع الأرض!

    يكفي الرجوع إلى أرشيف التاريخ لنجد أن اليهود طُردوا من عشرات الدول على مدى ألف سنة، بدءًا من فرنسا في القرن الحادي عشر، مرورًا بإنجلترا وإسبانيا وصقلية والبرتغال وروسيا والنمسا وألمانيا وسويسرا، وصولًا إلى كييف وليتوانيا وبولندا وغيرها. طُردوا، أُحرقوا، عُزلوا في غيتوهات، وأُغلقت في وجوههم الأبواب… لماذا؟ سؤال لا يطرحه الإعلام العالمي، بل يحجبه، ويخشى تداوله حتى لا تُفتح ملفات الماضي المحرجة!

    هذا الرفض المتكرر لم يكن سلوكًا منعزلًا أو عنصريًا، بل تَكَوَّن عبر تراكمات طويلة من الدسائس والمؤامرات الاقتصادية والسياسية والانتهازية المجتمعية التي أرهقت تلك الشعوب، فطردتهم بعد أن اكتوت بنارهم. لم يكن نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم بدعًا حين أجلاهم عن المدينة بعد أن خانوا العهود ونقضوا المواثيق، بل سبقته عشرات الأمم إلى إدراك الخطر!

    لكن المشهد اليوم مقلوب: أصبح الكيان الذي لفظته أمم التاريخ يُصنف نفسه “مظلوماً”، ويُصدّر رواية “الضحية الأبدية”، بينما يُمارس أبشع أنواع الاحتلال والقتل والتمييز العنصري ضد شعب أعزل يُدعى فلسطين.

    في 14 ماي 1948، أُعلن قيام “دولة إسرائيل” على أنقاض الدم الفلسطيني، في واحدة من أفظع جرائم اقتلاع شعب من أرضه وتهجيره بقوة السلاح والمؤامرة الدولية. فكيف لمن طُرد من كل مكان أن يُمَكَّن من وطن ليس له؟!
    كيف للعالم أن يصمت عن هذه المأساة ويُسكت ضمير التاريخ؟

    لماذا لا تُدرس هذه الطردات المتكررة في المناهج الغربية؟
    لماذا يُمنع الباحثون في أوروبا وأمريكا من الخوض في هذه الحقائق؟
    من يمنح الصهيونية حصانة ضد النقد؟

    إننا اليوم أمام احتلال إعلامي لا يقل خطورة عن الاحتلال العسكري، حيث تتحكم المؤسسات الصهيونية في كبرى شبكات الإعلام، وتمارس رقابة مشددة على كل ما يفضح تاريخها الأسود.

    لكن الحقيقة تبقى أقوى من كل محاولة طمس أو تزوير، وعلينا – كأمة حية – أن نسترد زمام الرواية، ونُعيد للذاكرة الحية ما سعى الإعلام العالمي لطمسه.
    فإن كان للصهاينة “هولوكوستهم” المزعوم، فإن لفلسطين ألف “هولوكوست” من الدم والخذلان والنار!

    آن الأوان أن نُعلنها بوضوح: الصهيونية ليست ديانة، بل مشروع استعماري تدميري، والتاريخ وحده يكشف عن ذلك.
    وسيبقى السؤال معلقًا:
    ماذا فعلت أمة محمد بأمانة الرواية؟ وأين هي من المعركة الوجودية؟