عيد الأضحى في المغرب: حين تنتصر الرسالة الملكية على الاستهلاك المفرط

  • بتاريخ : يونيو 3, 2025 - 1:44 م
  • الزيارات : 34
  • بواسطة:احلام اخليفي

    في سابقة تستوقف المهتمين بالشأن الديني والاجتماعي، اختار المغرب أن يستقبل عيد الأضحى لهذا العام بنهج مختلف، يُعلي من القيم الروحية على مظاهر التباهي، ويرفع شعار التضامن بدل الاستعراض.

    فبناءً على توجيهات سامية ضمن رسالة موجهة من جلالة الملك محمد السادس، بدأت السلطات في تفعيل قيود استثنائية تقضي بمنع بيع خروف العيد داخل سلاسل المتاجر الكبرى، والسوبر ماركت، لما في ذلك من تشويه لرمزية الشعيرة الدينية، وتحويلها إلى منتج استهلاكي ضمن عروض ترويجية لا تليق بمقامها.

    رسالة ملكية، وُجِّهت بكل وضوح، لتؤكد أن الأضحية ليست فريضة على من لا يملك الوسع، وأن روح العيد تكمن في الرحمة، لا في الإنفاق المرهق. فقد دعا جلالة الملك، في رسالته التي تلاها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، إلى الاحتفال بالعيد بروح من التعاطف الاجتماعي والتقدير للظروف الاقتصادية والمناخية التي تمر بها البلاد، في ظل الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف وتراجع الثروة الحيوانية.

    طنجة أول من طبّق القرار

    وقد شهدت مدينة طنجة أولى التدخلات الميدانية، حيث منعت السلطات المحلية كبرى المحلات من الاستمرار في تقديم عروض “خروف العيد”، خصوصًا تلك التي تقترن بخيارات الدفع بالتقسيط أو الشعارات التجارية من قبيل: “حفلتك بلا قلق” و”خروفك عندنا بأحسن ثمن”. وهي عبارات رآها المتتبعون تجريدًا للطقس من معناه، وتسليعًا لمناسبة دينية جليلة.

    ولم تقتصر الإجراءات على المدن الكبرى، فقد امتد صدى القرار إلى مناطق الشمال، حيث أُغلقت أسواق الماشية في تطوان والقصر الكبير وشفشاون. وفي مشهد غير مألوف، منعت السلطات دخول أي خروف إلى سوق “أولاد حميد” الشهير، عبر إقامة حواجز تفتيش على مداخل المدن.

    طلب على اللحوم وارتفاع منتظر في الأسعار

    هذه التدابير دفعت العديد من الأسر إلى التوجه نحو الجزارين لاقتناء اللحوم مباشرة، كبديل رمزي يحافظ على أجواء العيد دون إرهاق للميزانية. غير أن هذا التحول في الطلب يُنذر بارتفاع مرتقب في أسعار اللحوم، ما قد يُثقل كاهل الأسر ذات الدخل المحدود.

    ورغم أن هذه الوضعية قد تعود بالنفع على تجار اللحوم الحمراء خلال فترة العيد، فإنها تُبرز في الآن ذاته إشكالية أعمق: كيف نعيد بناء ثقافة استهلاكية تراعي القدرة الشرائية وتُصغي لصوت الحكمة، بدل مسايرة موجات العروض التي تحوّل الشعائر إلى سلعة؟

    دعوة للتعقّل والرحمة

    إن الهدف من هذه الإجراءات، كما تؤكد السلطات، ليس التضييق على المواطنين، بل هو تجسيد فعلي لفحوى الرسالة الملكية، التي تنشد احتفالًا لا يُقصي الفقراء، ولا يُجبر الأسر على ديون أو التزامات تتجاوز طاقتها. فالعيد، في جوهره، مناسبة للتسامح والتكافل، لا للمباهاة والتفاخر.

    وهكذا، يُعيد المغرب تعريف عيد الأضحى، ليس بمنع البيع، بل بإعادة الاعتبار للمعنى؛ في تربية على القناعة، وترسيخٍ لثقافة الرحمة، وتقدير للواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يتقاسمه الجميع.

    عيد هذه السنة إذًا… ليس ككل الأعياد.

    عيد تتقدمه حكمة ملك، وتنحني له أسواق، وتحتفل به قلوب، لا أرصدة.