✍️جميلة غاطس
ملامح تدخل أمريكي تصاعدت ، لا سيما بعد الضربة الخاطفة التي وُصفت بأنها قاصمة، استبشر البعض بسقوط إيران، الدولة التي لطالما خربت الأوطان العربية وأشعلت الفتن في العراق وسوريا ولبنان واليمن. رأى كثيرون في تلك اللحظة بارقة أمل لنهاية مشروع توسعي طائفي كان سبباً رئيسياً في تمزيق النسيج العربي، وتعطيل نهوضه.
لكن الآن، وبعد أيام قليلة فقط، خفتت الأصوات، وبدأت ملامح الإحباط تتسلل إلى الوجوه. فقد تكشّفت اللعبة، واتضح أن ما جرى لم يكن حرباً شاملة ولا مواجهة وجود، بل مجرد فصل جديد من مسرحية إقليمية تتكرر كلما اقتضت الضرورة. حرب تُدار بخيوط خفية، وضربات محسوبة لا تهدف إلى إسقاط نظام، بل إلى إعادة توزيع الأدوار، وترتيب موازين القوى على مسرح الشرق الأوسط.
لقد ظن البعض أن هذه الحرب ستُنهي عبث إيران، لكنها في الواقع زادتها حضوراً، وأعطتها ذريعة جديدة لإحكام قبضتها على الداخل، ورفع شعارات “المقاومة” مجدداً، كما فتحت لها باباً لمفاوضات جديدة مع الغرب. أما إسرائيل، فقد نالت ما أرادت من رسائل الردع، دون أن تُدخل نفسها في مستنقع حرب شاملة لا تريدها. وأمريكا، كعادتها، لعبت دور الحكم حيناً، والمشارك حيناً آخر، لكنها لم تكن يوماً في صف الشعوب التي دفعت ثمن الخراب.
إن الحقيقة المؤلمة أن ما بين أمريكا وإيران ليس صراع بقاء، بل لعبة مصالح، فيها تنفّس كل قوة عن غضبها بطريقة مدروسة، ثم تُعيد التموضع من جديد. والمخدوع هو من ظن أن هذه الحرب ستسقط نظاماً أو تغيّر خريطة النفوذ. فالمعادلات أكبر من أن تُفكك بضربة، والمصالح أعمق من أن تُكشف في خطاب أو مناورة.
أما الشعوب العربية، التي أُنهكت من عبث الخارج ووكلائه، فقد باتت تدرك اليوم أن الخلاص لا يُهدى، وأن من ينتظر نجاته من يد الجلاد سيبقى عبداً في قاعة الانتظار. سقوط الطغيان لا يأتي من الخارج، بل من الداخل، من شعوب حرة، واعية، ترفض أدوات الهيمنة، وتكسر قيد التبعية، سواء كانت بعمامة شرقية أو بربطة عنق غربية.





إرسال تعليق