الفساد المبين: حين تصبح الرشوة دولة داخل الدولة.

  • بتاريخ : نوفمبر 22, 2025 - 7:50 م
  • الزيارات : 2
  • بواسطة     المندوب الصحفي الحاج محمد بندامية   بفرنسا

     

    بقلم:المعطي ولدالمسكين.

    في اللحظة التي تتقدّم فيها الدول نحو الإصلاح، تتراجع أخرى تحت طاولة “الهمس” و“المظروف”، وتغرق في مستنقع الرشوة التي تحوّلت، بمرور الزمن، من سلوك مُجرَّم إلى آلية اشتغال يومية. هذا هو الفساد المبين؛ الفساد الذي لا يختبئ، بل يسير في الشارع مثل مواطن عادي، يعرفه الجميع ولا يجرؤ أحد على مواجهته.

    رشوة صغرى… تُنجب رشوة كبرى.

    المشكل لم يبدأ من كبار المسؤولين، بل من الرشوة اليومية: خمسون أو مئة درهم تُدفع لتسريع وثيقة، لتمرير ملف، لرفع مخالفة، أو لفتح باب إداري مغلق. هذه السلوكيات الصغيرة تُراكم شرعية اجتماعية خطيرة، تجعل المواطن نفسه يتعامل مع الفساد كأنه “حل عملي” بدل أن يرفضه.

    هكذا تتغذّى الرشوة الصغرى على ضعف الدولة، قبل أن تلد رشوة عملاقة ، تدير الصفقات العمومية، المشاريع الكبرى، التعيينات، والتراخيص.

    دولةٌ بوجهين.

    الفساد لا يعيش وحده؛ يحتاج إلى مؤسسات ضعيفة، قوانين بلا تطبيق، ومسؤولين يضعون الجيوب قبل الشعوب. وهنا تظهر الدولة بوجهين:

    1. وجه رسمي ، يتحدث عن الشفافية والرقمنة والمحاسبة.
    2. ووجه غير مرئي يشتغل عبر هواتف في الكواليس، يقرّر من يحصل على المشاريع ومن يستفيد من الامتيازات.

    المشكل أن الوجه الثاني أصبح أقوى، لأنه غير خاضع للمراقبة، وغير مُلزَم بالمساءلة.

    المرتشِي والمدفوع إليه… من المسؤول؟

    في العمق، الرشوة علاقة تبادلية تتجاوز شخصًا واحدًا:

    * موظف يستغل منصبه،
    * مواطن يقبل بالدفع،
    * ومسؤولون يغضّون الطرف.

    لكن الأصل أن الدولة وُجدت لتطبيق القانون، لا لمقايضته. وحين يتساوى “من يدفع” ومن يأخذ، ينهار مفهوم المواطنة بالكامل.

    أخطر نتائج الرشوة: انهيار الثقة.

    الاقتصاد يمكن إصلاحه، الميزانية يمكن إنقاذها، لكن الثقة حين تُفقد لا تعود بسهولة.
    من يُقدّم رشوة اليوم لن يؤمن بالغد، ومن يطلب رشوة لن يحترم الدولة ولا المواطنين.

    الرشوة تحرم الشباب من فرص العمل، تعطل الاستثمار، وتحوّل المرفق العمومي إلى سوق سوداء. والأسوأ أنها تُحوّل الوطن إلى فضاء يُكافأ فيه الفاسد ويُعاقَب فيه النزيه.

    كيف نواجه الفساد المبين؟

    المعركة تبدأ من ثلاث جبهات:

    1. قانون قوي يُطبَّق على الجميع بدون استثناءات أو حصانات.
    2. رقمنة كاملة للخدمات ، تقلّل تواصل المواطن بالموظف، وتمحو التفاهم.
    3. ثقافة اجتماعية جديدة ، ترى في الرشوة خيانة للوطن، وليس حيلة لتسريع الأمور.

    الخلاصة.

    الفساد المبين ليس قدَرًا، بل نتيجة. وإذا أرادت الدولة أن تكسر هذه الحلقة، فعليها أن تُعيد الاعتبار للعدل والقانون، وأن تجعل الرشوة مخاطرة أكبر من أن يتجرّأ عليها أي شخص.

    الوطن يبنيه الشرفاء، ويهدمه المرتشون. وبين الاثنين، شعب ينتظر دولة تُعيد الثقة، وتُقيم العدل، وتُعلن نهاية زمن المظروف.

    المعطي ولدالمسكين.