الصحفي الذي كان يرى بعين واحدة… ويكتب بقبضة مزدوجة .

  • بتاريخ : يناير 3, 2026 - 8:35 ص
  • الزيارات : 6
  • بقلم: المعطي ولدالمسكين .

    في هيئة تحريرٍ يُفترض أنها معبدٌ للحقيقة، كان هناك صحفي لا يخطئه أحد، ليس لأنه لامع أو مبدع، بل لأنه دائمًا غاضب من شيء ما… أو من شخص ما.
    صحفي لا يقرأ المقالات بعينيه، بل بمشاعره، ولا يقيس الجودة بالمعايير المهنية، بل بميزان خفيّ اسمه: مع من هذا؟ وضد من؟

    كان يبدأ يومه التحريري بطقسٍ ثابت:
    فنجان قهوة سوداء، نظرة حادة إلى شاشة الحاسوب، ثم جملة يهمس بها لنفسه:

    > نشوف اليوم شكون خاصو يتربّى صحفيًا…

    الانتقاء على طريقة هذا لنا… وهذا علينا .

    في مكتب التحرير، لم تكن المقالات تمر عبر بوابة اللغة أو المعلومة، بل عبر حاجز الولاء .

    * مقال نقدي جريء؟ معلّق إلى أجل غير مسمى .
    * تحقيق يفضح اختلالات؟ ليس الوقت مناسبًا .
    * مقال ضعيف، ركيك، مليء بالمديح المجاني؟ نشر عاجل + صورة كبيرة .

    أما إذا كان كاتب المقال قد “أغضب” الصحفي يومًا ما، أو لم يصفّق له في جلسة سابقة، فمصير مقاله معروف:

    > الفكرة مكررة… الصياغة تحتاج تطوير… نعود إليه لاحقًا .
    > وذلك اللاحق قد يمتد أطول من أعمار بعض الجرائد.

    فرقة المطبلين الاحتياطية

    لم يكن الصحفي وحده في مهمته النبيلة (محاربة من لا يعجبه)، بل تحيط به فرقة مطبلين جاهزة دائمًا:

    * واحد يصفق لكل قرار.
    * آخر يبرر كل إقصاء.
    * ثالث متخصص في جملة: راه المصلحة العامة تقتضي ذلك .

    هؤلاء لا يكتبون كثيرًا، لكنهم خبراء في النفخ، حتى يتحول مقال عادي إلى سبق صحفي تاريخي ، فقط لأنه يخدم أجندة صغيرة بحجم مكتب التحرير.

    حرية التعبير… بشروط

    الصحفي، بطبيعة الحال، يرفع شعار حرية التعبير، لكن مع إضافة صغيرة بخط غير مرئي:

    > حرية التعبير مكفولة… ما دامت لا تُعبّر عن شيء لا يعجبني .

    هو لا يمنعك من الكتابة، لا…
    فقط يجعلك تكتب دون أن تُنشر ،
    أو تُنشر بعد أن تفقد قيمتها،
    أو تُنشر محاطة بعناوين تُفرغها من مضمونها.

    المفارقة المضحكة المبكية

    المضحك في القصة، أن هذا الصحفي هو أول من يشتكي من الرداءة ،
    وأول من يتحدث عن أزمة الصحافة ،
    وأول من يبكي على غياب الأقلام الحرة .

    بينما الحقيقة البسيطة تقول:

    > لا أزمة أقلام… بل أزمة مرايا .

    الخلاصة (قبل أن تُؤجَّل للنشر)

    هذه ليست قصة فرد،
    بل حكاية نمطٍ يتكرر في بعض هيئات التحرير،
    حيث تتحول الصحافة من خدمة عمومية إلى تصفية حسابات خاصة ،
    ومن سلطة رابعة إلى غرفة انتظار للانتقام المؤجل .
    أما القارئ؟
    فهو ذكي أكثر مما يظنون…
    ويعرف جيدًا الفرق بين مقال يُكتب بالقلم،
    وآخر يُكتب… بالغِلّ .